يومئ إلى هذا النّوع من التّربية السّامية الّتي أتاحها للمؤمنين نزول كتابهم منجّما بحسب الحاجة ، متدرّجا مع الوقائع والأحداث .
أراد القرآن مثلا - على الصّعيد التّربويّ - أن يحطّم العصبيّة الجاهليّة الرّعناء ، وأن يستبدل التّقوى بتفاخرها بالآباء ، فمهّد لذلك برفع العبيد الأرقّاء إلى مقام السّادة الأحرار ، إنّ بلالا الحبشيّ الأسود ليرقى ظهر الكعبة ، ويؤذّن يوم الفتح ، فيقول المشركون مستنكرين : أهذا العبد الأسود يؤذّن على ظهر الكعبة ؟ فتنزل على قلب النّبيّ آية تضع الموازين القسط للأشخاص والقيم والأشياء :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
« 1 »
وعلى الصّعيد الاجتماعيّ أراد الإسلام أن يحفظ على هذه الأمّة اعتدالها وتوازنها ، وأن يجعلها وسطا في عقائدها وأخلاقها وعباداتها ومعاملاتها ، فمهّد لذلك بتصحيح مقاييسها ودعوتها إلى ما يحييها . فلمّا اتّفقت جماعة من الصّحابة على أن يجبّوا أنفسهم ، ويعتزلوا النّساء ، ولا يأكلوا لحما ولا دسما ، ويلبسوا المسوخ ، ولا يأكلوا من الطّعام إلّا قوتا ، ويسيحوا في الأرض كهيئة الرّهبان أنزل اللّه لتقويم هذا الانحراف عن دواعي الفطرة قوله الكريم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
« 2 » . ومن عجائب الإيحاء التّعبيريّ في القرآن أنّ انحراف أولئك الصّحابة شبّه في الآية بالاعتداء والعدوان ! .
أمّا الصّعيد النّفسيّ فيكاد القرآن فيه يخاطب كلّ نفس على حدة ، متناولا بنظرته الشّاملة أسرارها كلّها وخفاياها ، وإنّما نجتزئ هنا بتنزّل قرآنيّ واحد على سبيل المثال ، لقد كلّف اللّه الصّحابة الأوّلين ضروب المشقّات وألوانها فتحمّلوها مختارين ، ولكنّه في آية واحدة حمّل عليهم إصرا كبيرا ، وحمّلهم ما لا طاقة لهم به ، حتّى جثوا على ركبهم دهشة وذهولا ، حين أنزل قوله الكريم :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ
هامش
( 1 ) - الحجرات / 13 . وقارن بأسباب النّزول للسّيوطيّ / 122 .
( 2 ) - المائدة / 87 - 88 . وقارن بأسباب النّزول : 57 .