أمّا الأحكام الّتي أنزلت بدون حادث أو سؤال فهي آيات تقلّ كثيرا جدّا عمّا جاء إجابات على أسئلة متّصلة بأحداث معيّنة .
هذا ولولا أنّ الحكمة الإلهيّة والرّغبة الرّبانيّة آثرت نزول القرآن إلى الأرض منجّما بحسب الوقائع والمناسبات ، لأهبطه اللّه على الرّسول صلّى اللّه عليه وآله جملة واحدة كأغلب الكتب الدّينيّة المنزلة من قبل ، ولكنّ اللّه تعالى اختص وميّز القرآن عنها ، فجعل له الحسنيين في إنزاله جملة واحدة إلى سماء الدّنيا ، ثمّ إنزاله من الأخيرة إلى الأرض مفرّقا ، وكلّ ذلك تشريفا وتكريما منه تعالى للمنزّل عليه والمنزّل به .
ويمكّننا بعد كلّ هذا من إجمال وحصر كافّة الأسباب الحقيقة في نزول القرآن منجّما على الرّسول صلّى اللّه عليه وآله في نقاط معدودة ؛ ليتاح للقرّاء حفظهما عند اللّزوم ، وهذه الأسباب هي :
1 - إنّ نزول القرآن منجّما هو من أجل أن يقوى قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله عند محاجّة قومه وتحدّيهم بأن يأتوا بمثله ؛ لأنّ الوحي إذا كان يتجدّد في كلّ حادثة وفي كلّ واقعة كان أقوى وأثبت للقلب ، وأشدّ عناية ورعاية بالمرسل إليه .
2 - إنّ نزوله مفرّقا وشيئا فشيئا هو أقرب وأسهل للحفظ والاستظهار والتّدوين فيما إذ أهبط جملة واحدة .
3 - آثر اللّه سبحانه أن يكون هناك ناسخ ومنسوخ ، ولا يمكن أن يتصوّر وجود وحصول هذا الشّيء بدون أن ينزّل القرآن متفرّقا .
4 - تطلّبت الحكمة وأساليب الدّعوة بأن يكون من القرآن أجوبة لاستفسارات ، وبيان لحوادث ووقائع ، وإنكار على قول ؛ ليكون أقرب للقبول وأبعث لليقين ، ولا يكون ذلك إلّا إذا جاء القرآن دفعة دفعة ، وأثر كلّ استفسار ، وبعد كلّ قول وطلب .
5 - إنّ في التّفريق رحمة ولطفا بالعباد ، فلو نزل القرآن دفعة واحدة لثقلت عليهم التّكاليف والأعباء ، فتنفر لذلك قلوبهم ، وترفض نفوسهم عن قبول كافّة الأوامر والنّواهي في آن واحد ودفعة واحدة ؛ لذا جاء التّشريع متدرّجا تبعا لنزول القرآن وهبوطه متفرّقا ونجوما .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 443
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٤٤٣