إنّ الجواب على هذا التّساؤل هو أنّ المقصود من الآيات الكريمة المتقدّمة الذّكر هو أنّ اللّه سبحانه كان قد أنزل القرآن جملة واحدة وفي ليلة القدر من شهر رمضان المبارك ، أنزله من اللّوح المحفوظ إلى بيت العزّة من السّماء الدّنيا ، ثمّ نزلت الآيات من المكان الأخير تباعا ومتفرّقة على صدر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وبحسب الحاجة والطّلب وطيلة مدّة بعثته صلّى اللّه عليه وآله ، وبالكيفيّة الّتي سنشير إليها في الأسطر التّالية .
قلنا آنفا ونكرّره هنا بإسهاب بأنّ القرآن الكريم لم ينزّل على الرّسول صلّى اللّه عليه وآله من السّماء الدّنيا جملة واحدة ودفعة واحدة ، لأنّه لو فرضنا جدلا أنّه نزّل على هذا الشّكل ( جملة واحدة ) لتحوّل عاجلا إلى كلمة مقدّسة ساكنة ، وفكرة هادئة ومجرّد وثيقة دينيّة ، وليس مصدر وسبب لبعث الأمل والحياة في الفكرة النّاشئة والدّعوة الجديدة .
أجل ، لم ينزّل القرآن جملة واحدة على صدر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وإنّما نزوله هذا كان متفرّقا ودفعة دفعة ؛ لأسباب عديدة سنشير إليها بالتّعاقب ، منها تسهيل حفظ القرآن ، وليكون أقرب للفهم والقبول ، وكان نزوله نجوما حسب مقتضيات حوادث المجتمع الإسلاميّ ، لذا سمّيت هذه الحوادث بأسباب النّزول « 1 » ، نحو جواب على بعض الأسئلة والاستفسارات الّتي يسأل عنها الرّسول الأمين ، أو بيان لأنواع التّكاليف الدّينيّة ، والإخبار عن الحوادث والأحداث السّابقة ، أو الإشعار عن المغيبات والوقائع القادمة ، مضاف إلى ذلك أنّ نزوله كان يراعى فيه الحاجات المتجدّدة ، ووفق النّموّ المطّرد في الأفكار والتّصوّرات ، والنّموّ المطّرد في المجتمع والحياة ، ووفق المشكلات العمليّة الّتي تواجهها الجماعة المسلمة في حياتها الواقعيّة . « 2 » فضلا عن أنّ نزوله بهذا الطّريق كان يبتغي منه العزاء العاجل لكلّ ألم أو مصيبة تلمّ بالرّسول وآله وأصحابه ، والجزاء لكلّ تضحية ، والأمل لكلّ هزيمة ، والدّرس لكلّ نصر ، والجهد لكلّ عقبة ، وأسباب التّشجيع لكلّ خطر أو عقبة .
ونشير هنا إلى أنّ قليلا ما كانت تنزل الأحكام مبتدئة بغير سؤال من أحد المسلمين ،
هامش
( 1 ) - تاريخ التّشريع الإسلاميّ - الشّيخ محمّد الخضريّ .
( 2 ) - معالم في الطّريق - سيّد قطب .