تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
إنّ الجواب على هذا التّساؤل هو أنّ المقصود من الآيات الكريمة المتقدّمة الذّكر هو أنّ اللّه سبحانه كان قد أنزل القرآن جملة واحدة وفي ليلة القدر من شهر رمضان المبارك ، أنزله من اللّوح المحفوظ إلى بيت العزّة من السّماء الدّنيا ، ثمّ نزلت الآيات من المكان الأخير تباعا ومتفرّقة على صدر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وبحسب الحاجة والطّلب وطيلة مدّة بعثته صلّى اللّه عليه وآله ، وبالكيفيّة الّتي سنشير إليها في الأسطر التّالية . قلنا آنفا ونكرّره هنا بإسهاب بأنّ القرآن الكريم لم ينزّل على الرّسول صلّى اللّه عليه وآله من السّماء الدّنيا جملة واحدة ودفعة واحدة ، لأنّه لو فرضنا جدلا أنّه نزّل على هذا الشّكل ( جملة واحدة ) لتحوّل عاجلا إلى كلمة مقدّسة ساكنة ، وفكرة هادئة ومجرّد وثيقة دينيّة ، وليس مصدر وسبب لبعث الأمل والحياة في الفكرة النّاشئة والدّعوة الجديدة . أجل ، لم ينزّل القرآن جملة واحدة على صدر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وإنّما نزوله هذا كان متفرّقا ودفعة دفعة ؛ لأسباب عديدة سنشير إليها بالتّعاقب ، منها تسهيل حفظ القرآن ، وليكون أقرب للفهم والقبول ، وكان نزوله نجوما حسب مقتضيات حوادث المجتمع الإسلاميّ ، لذا سمّيت هذه الحوادث بأسباب النّزول « 1 » ، نحو جواب على بعض الأسئلة والاستفسارات الّتي يسأل عنها الرّسول الأمين ، أو بيان لأنواع التّكاليف الدّينيّة ، والإخبار عن الحوادث والأحداث السّابقة ، أو الإشعار عن المغيبات والوقائع القادمة ، مضاف إلى ذلك أنّ نزوله كان يراعى فيه الحاجات المتجدّدة ، ووفق النّموّ المطّرد في الأفكار والتّصوّرات ، والنّموّ المطّرد في المجتمع والحياة ، ووفق المشكلات العمليّة الّتي تواجهها الجماعة المسلمة في حياتها الواقعيّة . « 2 » فضلا عن أنّ نزوله بهذا الطّريق كان يبتغي منه العزاء العاجل لكلّ ألم أو مصيبة تلمّ بالرّسول وآله وأصحابه ، والجزاء لكلّ تضحية ، والأمل لكلّ هزيمة ، والدّرس لكلّ نصر ، والجهد لكلّ عقبة ، وأسباب التّشجيع لكلّ خطر أو عقبة . ونشير هنا إلى أنّ قليلا ما كانت تنزل الأحكام مبتدئة بغير سؤال من أحد المسلمين ،
هامش
( 1 ) - تاريخ التّشريع الإسلاميّ - الشّيخ محمّد الخضريّ . ( 2 ) - معالم في الطّريق - سيّد قطب .