وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
« 1 »
ويؤيّد هذا المعنى قوله بعد :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
، فإنّ سياق قوله : لا تعجل به و
قُلْ رَبِّ زِدْنِي
يفيد أنّ المراد هو الاستبدال ، أي بدل الاستعجال في قراءة ما لم ينزل بعد ، طلبك زيادة العلم ، ويؤول المعنى إلى أنّك تعجل بقراءة ما لم ينزل بعد ، لأنّ عندك علما به في الجملة ، لكن لا تكتف به ، واطلب من اللّه علما جديدا بالصّبر واستماع بقيّة الوحي .
وهذه الآية ممّا يؤيّد ما ورد من الرّوايات أنّ للقرآن نزولا دفعة واحدة غير نزوله نجوما على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فلو لا علم ما منه بالقرآن قبل ذلك لم يكن لعجله بقراءة ما لم ينزل منه بعد معنى .
وقيل : المراد بالآية ولا تعجل بقراءة القرآن لأصحابك وإملائه عليهم من قبل أن يتبيّن لك معانيه ، وأنت خبير بأنّ لفظ الآية لا تعلّق له بهذا المعنى .
وقيل : المراد ولا تسأل إنزال القرآن قبل أن يقضي اللّه وحيه إليك ، وهو كسابقه غير منطبق على لفظ الآية . ( 14 : 214 )
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً . .
الفرقان / 32
قد تقدّم أنّ الإنزال والتّنزيل إنّما يفترقان في أنّ الإنزال يفيد الدّفعة ، والتّنزيل يفيد التّدريج ، لكن ذكر بعضهم : أنّ التّنزيل في هذه الآية منسلخ عن معنى التّدريج ، لأدائه إلى التّدافع ، إذ يكون المعنى على تقدير إرادة التّدريج لولا فرّق القرآن جملة واحدة ، والتّفريق ينافي الجمليّة ، بل المعنى هلّا أنزل القرآن عليه دفعة غير مفرّق كما أنزل التّوراة والإنجيل والزّبور .
لكن ينبغي أن يعلم أنّ نزول التّوراة مثلا كما هو الظّاهر المستفاد من القرآن كانت دفعة في كتاب مكتوب في ألواح ، والقرآن إنّما كان ينزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالتّلقّي من عند اللّه بتوسّط الرّوح الأمين ، كما يتلقّى السّامع الكلام من المتكلّم ، والدّفعة في إيتاء كتاب
هامش
( 1 ) - القيامة / 16 - 18 .