أن ينزّل القرآن جملة واحدة كما في :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
« 1 » وقوله حكاية عن أهل الكتاب :
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ
« 2 » .
ويؤيّده تذييل الآية بقوله :
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
، فإنّ التّنزيل - وهو إنزال الشّيء تدريجا - أمس بالاعتبار الثّاني منه بالأوّل .
ومع ذلك فالاعتبار الثّاني - وهو تفصيل القرآن وتفريقه بحسب النّزول بإنزال بعضه بعد بعض من دون أن ينزل جملة واحدة - يستلزم الاعتبار الأوّل ، وهو تفصيله وتفريقه إلى معارف وأحكام متبوعة مختلفة ، بعد ما كان الجميع مندمجة في حقيقة واحدة ، منطوية مجتمعة الأعراق في أصل واحد فارد .
ولذلك فصّل اللّه سبحانه ، كتابه سورا وآيات بعد ما ألبسه لباس اللّفظ العربيّ ، ليسهل على النّاس فهمه ، كما قال :
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
ثمّ نوّعها أنواعا ورتّبها ترتيبا فنزّلها واحدة بعد واحدة عند قيام الحاجة إلى ذلك ، وعلى حسب حصول استعدادات النّاس المختلفة ، وتمام قابليّتهم بكلّ واحد منها ، وذلك في تمام ثلاث وعشرين سنة ، ليشفع التّعليم بالتّربية ، ويقرن العلم بالعمل . ( 13 : 220 - 221 )
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
طه / 114
السّياق يشهد بأنّ في الكلام تعرّضا لتلقّي النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وحي القرآن ، فضمير
وَحْيُهُ
للقرآن ، وقوله :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ
نهي عن العجل بقراءته ، ومعنى قوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
من قبل أن يتمّ وحيه من ملك الوحي .
فيفيد أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان إذا جاءه الوحي بالقرآن يعجل بقراءة ما يوحى إليه قبل أن يتمّ الوحي ، فنهي عن أن يعجل في قراءته قبل انقضاء الوحي وتمامه ، فيكون الآية في معنى قوله تعالى في موضع آخر :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ
هامش
( 1 ) - الفرقان / 32 .
( 2 ) - النّساء / 153 .