تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
الثّبات : ضدّ الزّوال ، والإثبات والتّثبيت بمعنى واحد ، والفرق بينهما بالدّفعة والتّدريج ، والفؤاد : القلب ، والمراد به كما مرّ غير مرّة الأمر المدرك من الإنسان وهو نفسه ، والتّرتيل : - كما قالوا - التّرسيل والإتيان بالشّيء عقيب الشّيء ، والتّفسير - كما قال الرّاغب - المبالغة في إظهار المعنى المعقول ، كما أنّ الفسر - بالفتح فالسّكون - إظهار المعنى المعقول . وظاهر السّياق أنّ قوله :
كَذلِكَ
متعلّق بفعل مقدّر يعلّله قوله :
لِنُثَبِّتَ
، ويعطف عليه قوله :
وَرَتَّلْناهُ
، والتّقدير نزّلناه - أي القرآن - أي نجوما متفرّقة لا جملة واحدة ؛ لنثبّت به فؤادك ، وقول بعضهم : إنّ
كَذلِكَ
من تمام قول الّذين كفروا ، سخيف جدّا . فقوله :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
بيان تامّ لسبب تنزيل القرآن نجوما متفرّقة ، وبيان ذلك أنّ تعليم علم من العلوم - وخاصّة ما كان منها مرتبطا بالعمل بإلقاء المعلّم مسائله واحدة بعد واحدة إلى المتعلّم حتّى تتمّ فصوله وأبوابه - إنّما يفيد حصولا ما لصور مسائله عند المتعلّم ، وكونها مذخورة بوجه ما عنده ، يراجعها عند مسيس الحاجة إليها ، وأمّا استقرارها في النّفس بحيث تنمو النّفس عليها وتترتّب عليها آثارها المطلوبة منها فيحتاج إلى مسيس الحاجة والإشراف على العمل وحضور وقته . ففرق بين أن يلقي الطّبيب المعلّم مثلا مسألة طبّية إلى متعلّم الطّب إلقاء فحسب ، وبين أن يلقيها إليه وعنده مريض مبتلى بما يبحث عنه من الدّاء وهو يعالجه ، فيطابق بين ما يقول وما يفعل . ومن هنا يظهر أنّ إلقاء أي نظرة علميّة عند مسيس الحاجة وحضور وقت العمل إلى من يراد تعليمه وتربيته أثبت في النّفس ، وأوقع في القلب ، وأشدّ استقرارا ، وأكمل رسوخا في الذّهن ، وخاصّة في المعارف الّتي تهدي إليها الفطرة ، فإنّ الفطرة إنّما تستعدّ للقبول ، وتتهيّأ للإذعان إذا أحسّت بالحاجة . ثمّ إنّ المعارف الّتي تتضمّنها الدّعوة الإسلاميّة النّاطق بها القرآن إنّما هي شرائع وأحكام عمليّة وقوانين فرديّة واجتماعيّة ، تسعد الحياة الإنسانيّة مبنيّة على الأخلاق الفاضلة المرتبطة بالمعارف الكلّية الإلهيّة الّتي تنتهي بالتّحليل إلى التّوحيد ، كما أنّ التّوحيد ينتهي بالتّركيب إليها ، ثمّ إلى الأخلاق والأحكام العمليّة .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 406 | السيد علي الموسوي الدارابي