فأحسن التّعليم وأكمل التّربية أن تلقى هذه المعارف العالية بالتّدريج موزّعة على الحوادث الواقعة المتضمّنة لمساس أنواع الحاجات ، مبيّنة لما يرتبط بها من الاعتقاد الحقّ والخلق الفاضل ، والحكم العمليّ المشروع مع ما يتعلّق بها من أسباب الاعتبار ، والاتّعاظ بين قصص الماضين وعاقبة أمر المسرفين وعتوّ الطّاغين والمستكبرين .
وهذه سبيل البيانات القرآنيّة المودعة في آياته النّازلة ، كما قال تعالى :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 1 » ، وهذا هو المراد بقوله تعالى :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
، واللّه أعلم .
نعم ، يبقى عليه شيء ، وهو أنّ تفرّق أجزاء التّعليم وإلقاءها إلى المتعلّم على التّمهّل والتّؤدة يفسد غرض التّعليم ؛ لانقطاع أثر السّابق إلى أن يلحق به اللّاحق ، وسقوط الهمّة والعزيمة عن ضبط المطالب ، ففي اتّصال أجزاء العلم الواحد بعضها ببعض إمداد للذّهن ، وتهيئة للفهم على التّفقّه ، والضّبط لا يحصل بدونه البتّة .
وقد أجاب تعالى عنه بقوله :
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
، فمعناه على ما يعطيه السّياق أنّ هذه التّعليمات على نزولها نجوما متفرّقة عقّبنا بعضها ببعض ، ونزّلنا بعضها إثر بعض ؛ بحيث لا تبطل الرّوابط ولا تنقطع آثار الأبعاض ، فلا يفسد بذلك غرض التّعليم ، بل هي سور وآيات نازلة بعضها إثر بعض مترتّبة مرتّلة .
على أنّ هناك أمر آخر ، وهو أنّ القرآن كتاب بيان واحتجاج يحتجّ على المؤالف والمخالف فيما أشكل عليهم ، أو استشكلوه على الحقّ والحقيقة بالتّشكيك والاعتراض ، ويبيّن لهم ما التبس عليهم أمره من المعارف والحكم الواقعة في الملل والأديان السّابقة ، وما فسّرها به علماؤهم بتحريف الكلم عن مواضعه ، كما يظهر بقياس ما كان يعتقده الوثنيون في اللّه تعالى والملائكة والجنّ وقدّيسي البشر ، وما وقع في العهدين من أخبار الأنبياء وما بثّوه من معارف المبدإ والمعاد ، إلى ما بيّنه القرآن في ذلك .
وهذا النّوع من الاحتجاج والبيان لا يستوفي حقّه إلّا بالتّنزيل التّدريجيّ على حسب ما كان يبدو من شبههم ، ويرد على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله من مسائلهم تدريجا ، ويورد على
هامش
( 1 ) - الإسراء / 106 .