يتخلّل ، وهو التّدريج ، والتّعبير عنه بالتّنزيل كقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ
« 1 » .
ومن هنا يظهر أنّ الآيات المذكورة للنّقض غير ناقضة ، فإنّ المراد بقوله
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
« 2 » الآية ، أن ينزّل عليه القرآن آية بعد آية في زمان متّصل واحد ، من غير تخلّل زمان معتدّ به ، كما كان عليه الأمر في نزول القرآن في الشّئون والحوادث والأوقات المختلفة ، وبذلك يظهر الجواب عن بقيّة الآيات المذكورة .
وأمّا ما ذكره البعض المزبور فهو على أنّه استحسان غير جائز في اللّغة البتّة ، لا يدفع شيئا من النّقض بالآيات المذكورة ، بل هي بحالها وهو ظاهر . وقد جرى كلامه تعالى أن يعبّر عن إفاضة الكتاب على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالتّنزيل والنّزول ، والنّزول يستلزم مقاما أو مكانا عاليا رفيعا يخرج منه الشّيء نوعا من الخروج ، ويقصد مقاما أو مكانا آخر أسفل فيستقرّ فيه ، وقد وصف نفسه تعالت ذاته بالعلوّ ورفعة الدّرجات ، وقد وصف كتابه أنّه من عنده ، قال تعالى :
إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
« 3 » ، وقال تعالى :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ
« 4 » ، فيصحّ بذلك استعمال لفظ النّزول في موارد استقرار الوحي في قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . ( 3 : 7 - 8 )
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً
الإسراء / 105
لمّا فرغ من التّنظير رجع إلى ما كان عليه من بيان حال القرآن وذكر أوصافه ، فذكر أنّه أنزله إنزالا مصاحبا للحقّ ، وقد نزل هو من عنده نزولا مصاحبا للحقّ ، فهو مصون من الباطل من جهة من أنزله ، فليس من لغو القول وهذره ، ولا داخله شيء يمكن أن يفسده يوما ، ولا شاركه فيه أحد حتّى ينسخه في وقت من الأوقات ، وليس النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلّا رسولا منه تعالى يبشّر به وينذر ، وليس له أن يتصرّف فيه بزيادة أو نقيصة ، أو بتركه كلّا أو بعضا
هامش
( 1 ) - الشّورى / 28 .
( 2 ) - الفرقان / 32 .
( 3 ) - الشّورى / 51 .
( 4 ) - البقرة / 89 .