وفيه : أنّ ظاهر الآية أنّ الإحكام والتّفصيل متّحدان من حيث المورد ، بمعنى أنّ الآيات الّتي ورد عليها الإحكام بعينها هي الّتي ورد عليها التّفصيل ، لا أنّ الإحكام وصف لبعض آياته والتّفصيل وصف بعضها الآخر ، كما هو لازم ما ذكره .
وقوله تعالى :
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
الحكيم : من أسمائه الحسنى الفعليّة ، يدلّ على إتقان الصّنع ، وكذا الخبير : من أسمائه الحسنى ، يدلّ على علمه بجزئيّات أحوال الأمور الكائنة ومصالحها ، وإسناد إحكام الآيات وتفصيلها إلى كونه تعالى حكيما خبيرا ، لما بينهما من النّسبة . ( 10 : 136 - 139 )
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ . . .
آل عمران / 3
قد مرّ أنّ التّنزيل يدلّ على التّدريج كما أنّ النّزول يدلّ على الدّفعة .
وربّما ينقض ذلك بقوله :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
« 1 » ، وبقوله تعالى :
أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً
« 2 » ، وقوله :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ
« 3 » ، وقوله تعالى :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً
« 4 » ، ولذلك ذكر بعض المفسّرين : أنّ الأولى أن يقال : أنّ معنى
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
أنزله إنزالا بعد إنزال ، دفعا للنّقض .
والجواب : أنّ المراد بالتّدريج في النّزول ليس هو تخلّل زمان معتدّ به بين نزول كلّ جزء من أجزاء الشّيء وبين جزئه الآخر ، بل الأشياء المركّبة الّتي توجد بوجود أجزائها ؛ لوجودها نسبة إلى مجموع الأجزاء ، وبذلك يصير الشّيء أمرا واحدا غير منقسم . والتّعبير عنه من هذه الجهة بالنّزول كقوله تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
« 5 » ، وهو الغيث ، ونسبته من حيث وجوده بوجود أجزائه واحدا بعد واحد ، سواء تخلّل بينهما زمان معتدّ به أو لم
هامش
( 1 ) - الفرقان / 32 .
( 2 ) - المائدة / 112 .
( 3 ) - الأنعام / 37 .
( 4 ) - الأنعام / 37 .
( 5 ) - الرّعد / 17 .