تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
عليه بأنّ تعقيب قوله تعالى : أنزل فيه القرآن بقوله :
هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
لا يساعد على ذلك ؛ إذ لا معنى لبقائه على وصف الهداية والفرقان في السّماء مدّة سنين . وأجيب : بأنّ كونه هاديا من شأنه أن يهدي من يحتاج إلى هدايته من الضّلال ، وفارقا إذا التبس حقّ بباطل لا ينافي بقائه مدّة على حال الشّأنية من غير فعلية التّأثير حتّى يحلّ أجله ويحين حينه ، ولهذا نظائر وأمثال في القوانين المدنيّة المنتظمة الّتي كلّما حان حين مادّة من موادّها أجريت وأخرجت من القوّة إلى الفعل . والحقّ أنّ حكم القوانين والدّساتير غير حكم الخطابات الّتي لا يستقيم أن تتقدّم على مقام التّخاطب ولو زمانا يسيرا ، وفي القرآن آيات كثيرة من هذا القبيل كقوله تعالى :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما
« 1 » ، وقوله تعالى :
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً
« 2 » ، وقوله تعالى :
رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا
« 3 » ، على أنّ القرآن ناسخا ومنسوخا ، ولا معنى لاجتماعهما في زمان بحسب النّزول . وربّما أجيب عن الإشكال : أنّ المراد من نزول القرآن في شهر رمضان أنّ أوّل ما نزل منه نزل فيه ، ويرد عليه أنّ المشهور عندهم أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إنّما بعث بالقرآن ، وقد بعث في اليوم السّابع والعشرين من شهر رجب ، وبينه وبين رمضان أكثر من ثلاثين يوما ، وكيف يخلو البعثة في هذه المدّة من نزول القرآن ؟ على أنّ أوّل سورة
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
يشهد على أنّها أوّل سورة نزلت ، وأنّها نزلت بمصاحبة البعثة ، وكذا سورة المدّثر تشهد أنّها نزلت في أوّل الدّعوة ، وكيف كان فمن المستبعد جدّا أن تكون أوّل آية نزلت في شهر رمضان ، على أنّ قوله تعالى :
أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
غير صحيح الدّلالة على أنّ المراد بالقرآن أوّل نازل منه ، ولا قرينة تدلّ عليه في الكلام ، فحمله عليه تفسير من غير دليل . ونظير هذه
هامش
( 1 ) - المجادلة / 1 . ( 2 ) - الجمعة / 11 . ( 3 ) - الأحزاب / 23 .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 388 | السيد علي الموسوي الدارابي