تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
صراحتها ، وليس من المستبعد أن يكون أريد به الإشارة إلى أوّل نزول الكتب السّماويّة بما فيها القرآن ما هو الواقع المرويّ في الأحاديث الصّحيحة بالنّسبة إلى القرآن . ومن الطّريف أنّ بعض المعلّقين استنبط على ما ذكره السّيوطيّ من عدم الرّدّ على الكفّار فيما تحدّوه من إنزال القرآن جملة واحدة صحّة ما قيل من أنّ الكتب السّماويّة نزلت جملة واحدة ، وقال إنّها لو لم تكن نزلت جملة واحدة لكان القرآن ردّ على المتحدّين . وإذا كان بعض العلماء توقّف في ما إذا كانت جملة
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
هي من جملة القرآن الّذي نزل جملة واحدة أم لا ، لأنّها تتضمّن أخبارا وتوهم التّعارض ، فكم بالأحرى الآيات الكثيرة المماثلة ثمّ الفصول الكثيرة جدّا الواردة في مختلف السّور والّتي تحكي حجاج الكفّار وجدلهم في القرآن وتحدّيه ، أو تحكي مواقف الكفّار من الدّعوة النّبويّة ومن إنذارات القرآن وتبشيراته باليوم الآخر وحسابه وثوابه وعقابه ، وهزؤهم بالنّبي وتحدّيه بإحداث المعجزات وإنزال الملائكة الخ ، ثمّ الّتي تحكي وقع السّيرة الجهاديّة والتّشريعيّة ، ثمّ الّتي تندّد بالكفّار وتصوّر عنادهم وتحتّم لهم الخلود بالنّار ، وتلك الّتي تذكر إسلام كثير منهم ، وتوبة اللّه عليهم وانتقالهم من صفّ الكفّار إلى صفّ المسلمين ومن مصير الخلود في النّار إلى الخلود في الجنّة وأمثال ذلك ممّا كان يقع نتيجة لسير الدّعوة وظروفها الطّارئة ، وممّا يغلب عليه طابع الوسائل التّدعيميّة لأهداف القرآن وأسسه ودعوته . ولا ندري كيف سوّغ القائلون لأنفسهم بعد هذا أن يقولوا : إنّ القرآن - وهو يعنون جميع ما بين الدّفّتين من أسس ووسائل - قد نزل جملة واحدة يوم بعثة النّبيّ أو قبله . وعلى كلّ حال فإنّ ما ساقه القائلون في حكمة إنزال القرآن جملة واحدة إلى السّماء عند بدء النّبوّة أو قبلها ، وكذلك ما علّقوا به من تعليقات هي الأخرى أقوال تخمينيّة ، وفيها من التّكلّف والتّزيّد بل والتّهافت ما يستطيع أن يلمسه المدقّق الّذي ينعم النّظر ، وأنّ القول في أصله يظلّ غير مفهوم الحكمة ، وغير متّسق مع طبائع الأمور وحقائق الأشياء ، ولقد غاب عنهم فيما يتراءى لنا أنّ القرآن بصفته وحي اللّه قد تحقّقت فيه جميع
نصوص في علوم القرآن — صفحة 366 | السيد علي الموسوي الدارابي