وحينئذ فنزول القرآن جملة واحدة يصحّ أن يكون من عالم اللّوح المحفوظ دفعة إلى مرتبة تحتها ، ثمّ نزوله منها في مرتبة ثالثة في كلّ سنة بقدرها ، ثمّ نزوله في هذا العالم في أجزاء اللّيالي والأيّام . ويشبه أن يكون المرتبة الثّانية هي البيت المعمور ، أو باطنه وروحه وهو مظهره ، كما روي .
وأمّا ما ذكره المحدّث الكاشانيّ بقوله : كأنّه أريد به نزول معناه على قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله « 1 » ، فإن أراد به أنّ البيت المعمور هو قلبه صلّى اللّه عليه وآله فهو فاسد ؛ إذ هو من أجزاء العالم الكبير وقد ورد ذكره في الأخبار « 2 » ، وللقرآن مراتب نزوليّة في العالم الكبير . وإن أراد به أنّه مساوق لمقام قلبه بحيث إذا نزل فيه اطّلع قلبه صلّى اللّه عليه وآله عليه لاتّحادهما رتبة ، فهو ليس بذلك البعيد ؛ إذ أريد بالقلب ما يسمّى به قلبا باصطلاح جماعة من أهل المعرفة ، إلّا أنّ ذلك المقام لا يأبى عن الألفاظ حين ينزّل النّزول إلى المعاني ، بل الألفاظ بنفسها ممّا يصحّ نزولها فيه ، وليس تنزيل نزول القرآن إلى نزول المعاني الصّرفة ، إلّا تأويلا من دون سبب يقتضيه ، فثبت .
كيفيّة نزول القرآن في ليلة القدر وتفصيله
ثمّ لمّا كان القرآن تبيان كلّ شيء على نهج كلّي إجماليّ مشتمل على تكليفيّات وتكوينيّات متعلّقة بموضوعات مستقلّة ، تفصّل في ليلة القدر ، وتتولّد منها أحكام وقضايا معيّنة مشخّصة جزئيّة بالنّسبة إلى ما كان عليه ، صحّ أنّه : « لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن » كما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام « 3 » ؛ إذ لو لم ينزل تفصيله فيها وبقي على حاله الإجماليّ كان مرفوعا عن هذا العالم .
وربّما يشهد لما ذكرناه معنى ما رواه الكافي عن الباقر عليه السّلام أنّه قال : قال اللّه عزّ وجلّ
هامش
( 1 ) - راجع الصّافيّ 1 ، المقدّمة التّاسعة : 42 .
( 2 ) - راجع البحار 58 ، باب البيت المعمور . وأنّه ( ره ) ذكر فيه روايات من الخاصّة والعامّة يستفاد منها : أنّ البيت المعمور هو في السّماء الرابعة ، وإنّه قد سمّي « الضّراح » .
( 3 ) - رواه الكلينيّ ( ره ) في الكافي ، ج 4 ، باب في ليلة القدر من كتاب « الصّيام » 158 ، ح 7 عن داود بن فرقد ، عن يعقوب ، عنه ( عليه السّلام ) ؛ وأيضا الصّدوق ( ره ) في « الفقيه » 2 : 101 ، ح 9 ، بهذا الإسناد ؛ ونقله الفيض ( ره ) في الصّافي المقدّمة التّاسعة : 42 .