الّذي نزل عليه عليه الصّلاة والسّلام بالوحي من أوّل الأمر ، إلّا أنّه نزل عليه صلّى اللّه عليه وسلم غيره عليه السّلام من الملائكة أيضا ببعض الأمور ، وكثيرا ما ينزلون لتشييع الآيات القرآنيّة مع جبريل عليه وعليهم السّلام . ومن النّاس من اعتبر كونها باعتبار الأغلب ؛ لأنّ إنزال جبريل عليه السّلام قد لا يكون على القلب بناء على ما ذكره الشّيخ محيى الدّين قدّس سرّه في الباب الرّابع عشر من الفتوحات ، من قوله : اعلم أنّ الملك يأتي النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بالوحي على حالين :
تارة ينزل بالوحي على قلبه ، وتارة يأتيه في صورة جسديّة من خارج ، فيلقي ما جاء به إلى ذلك النّبيّ على أذنه فيسمعه ، أو يلقيه على بصره فيبصره ، فيحصل له من النّظر ما يحصل من السّمع سواء .
وتعقّب بأنّه لا حاجة إلى ما ذكر ، وما نقل عن محيى الدّين قدّس سرّه لا يدلّ على أنّ نزول الوحي إلى كلّ نبيّ يكون على هذين الحالين ، فيجوز أن يكون نزول الوحي إلى نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلم على الحال الأولى فقط سلّمنا دلالته على العموم ، وأنّ نزول الوحي إلى نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام قد يكون بتمثّل الملك بناء على بعض الأخبار الصّحيحة في ذلك ، لكن لا نسلّم أنّه يدلّ على أنّ نزول الوحي إذا كان الموحى قرآنا يكون على الحال الثّانية سلّمنا دلالته على ذلك ، لكن لا نسلّم صحّة جعله مبنيّ لتأويل الآية ، وكيف يؤوّل كلام اللّه تعالى لكلام مناف لظاهره صدر من غير معصوم ، ويكفي محيى الدّين قدّس سرّه من علماء الشّريعة أن يؤوّلوا كلامه ليوافق كلام اللّه عزّ وجلّ فيسلم من الطّعن ، ولعلّ من يؤوّل في مثل ذلك يحسن الظّن بمحيى الدّين قدّس سرّه ، ويقول : إنّه لم يقل ذلك إلّا لدليل شرعيّ ، فقد قال قدّس سرّه في الكلام على الإذن من الفتوحات : اعلم أنّي لم أقرّر بحمد اللّه تعالى في كتابي هذا ولا غيره قطّ أمرا غير مشروع ، وما خرجت عن الكتاب والسّنّة في شيء من تصانيفي ، وقال في الباب السّادس والسّتّين وثلاثمائة من الكتاب المذكور : جميع ما أتكلّم به في مجالسي وتأليفي إنّما هو من حضرة القرآن العظيم ، فإنّي أعطيت مفاتيح العلم فيه ، فلا أستمدّ قطّ في علم من العلوم إلّا منه كلّ ذلك ، حتّى لا أخرج عن مجالسة الحقّ تعالى في مناجاته بكلامه ، أو بما تضمّنه كلامه سبحانه ، إلى غير ذلك . فالدّاعي للتّأويل في الحقيقة ذلك الدّليل ، لا نفس كلامه قدّس سرّه ، وهو اللّائق بالمسلمين الكاملين . ( 19 : 120 - 125 )
نصوص في علوم القرآن — صفحة 295
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٢٩٥