نفسي النّبيّ عليه الصّلاة السّلام من نشأة الغيب إلى نشأة الظّهور . ولهذا كان يعرض له شبه الدّهش والغشي ، ثمّ يرى ويسمع ، ثمّ يقع منه الإنباء والإخبار ، فهذا معنى تنزيل الكتاب وإنزال الكلام من ربّ العالمين ، انتهى .
وفيه ما تأباه الأصول الإسلاميّة ممّا لا يخفى عليك . وقد صرّح غير واحد من المحدّثين والمفسّرين وغيرهم بانتقال الملك وهو جسم عندهم ، ولم يؤوّل أحد منهم نزوله فيما نعلم ، نعم أوّلوا نزول القرآن وإنزاله .
قال الأصفهانيّ في أوائل تفسيره : اتّفق أهل السّنة والجماعة . . . [ وذكر كما تقدّم عن الزّركشيّ ، ثمّ حكى قول الطّيّبيّ والقطب في « حواشي الكشّاف » ، حسبما تقدّم عن السّيوطيّ ، فقال : ]
وفيه بحث لا يخفى ، وعندي أنّ إنزاله إظهاره في عالم الشّهادة بعد أن كان في عالم الغيب ، ثمّ إنّ ظاهر الآية يقتضي أنّ جميع القرآن نزل به الرّوح الأمين على قلبه الشّريف صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذا ينافي ما قيل : إنّ آخر سورة البقرة ، كلّمه اللّه تعالى بها ليلة المعراج ؛ حيث لا واسطة احتجاجا بما أخرجه مسلم ، عن ابن مسعود : لما أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى ، الحديث . وفيه : فأعطي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الصّلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك من أمّته باللّه تعالى شيئا المقحمات . وأجيب بعد تسليم أن يكون ما ذكر دليلا لذلك ، يجوز أن يكون قد نزل جبريل عليه السّلام بما ذكر أيضا تأكيدا وتقريرا أو نحو ذلك . وقد ثبت نزوله عليه السّلام بالآية الواحدة مرّتين لما ذكر . وجوّز أن تكون الآية باعتبار الأغلب ، واعتبر بعضهم كونها كذلك لأمر آخر ، وهو أنّ من القرآن ما نزل به إسرافيل عليه السّلام ، وهو ما كان في أوّل النّبوّة ، وفيه أنّ ذلك لم يثبت أصلا .
وفي الإتقان : أخرج الإمام أحمد في تاريخه من طريق داود بن أبي هند ، عن الشّعبيّ ، قال : أنزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم النّبوّة وهو ابن أربعين سنة ، فقرن بنبوّته إسرافيل عليه السّلام ثلاث سنين ، فكان يعلّمه الكلمة والشّيء ، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه ، فلمّا مضت ثلاث سنين قرن بنبوّته جبريل عليه السّلام ، فنزل عليه القرآن على لسانه عشر سنين ، انتهى ، وهو صريح في خلاف ذلك ، وإن كان فيه ما يخالف الصّحيح المشهور من أنّ جبريل عليه السّلام هو
نصوص في علوم القرآن — صفحة 294
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٢٩٤