تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
الوحي الرّبانيّ ، يسمع كلام اللّه تعالى ، وهو إعلام الحقائق بالمكالمة الحقيقيّة ، وهي الإفاضة والاستفاضة في مقام قاب قوسين أو أدنى ، وهو مقام القرب ومقعد الصّدق ومعدن الوحي والإلهام . وكذا إذا عاشر النّبيّ الملائكة الأعلين يسمع صريف أقلامهم وإلقاء كلامهم ، وهو كلام اللّه تعالى النّازل في محلّ معرفتهم ، وهي ذواتهم وعقولهم ؛ لكونهم في مقام القرب . ثمّ إذا نزل صلّى اللّه عليه وسلم إلى ساحة الملكوت السّماويّ يتمثّل له صورة ما عقله وشاهده في لوح نفسه الواقعة في عالم الأرواح القدريّة السّماويّة ، ثمّ يتعدّى منه الأثر إلى الظّاهر ، وحينئذ يقع للحواسّ شبه دهش ونوم ؛ لمّا أنّ الرّوح القدسيّة لضبطها الجانبين تستعمل المشاعر الحسّيّة ، لكن لا في الأغراض الحيوانيّة ، بل في سبيل السّلوك إلى الرّبّ سبحانه ، فهي تشائع الرّوح في سبيل معرفته تعالى وطاعته ، فلا جرم إذا خاطبه اللّه تعالى خطابا من غير حجاب خارجي ، سواء كان الخطاب بلا واسطة أو بواسطة الملك ، واطّلع على الغيب ، فانطبع في فصّ نفسه النّبويّة نقش الملكوت وصورة الجبروت ، تنجذب قوّة الحسّ الظّاهر إلى فوق ، ويتمثّل لها صورة غير منفكّة عن معناها وروحها الحقيقيّ ، لا كصورة الأحلام والخيالات العاطلة عن المعنى ، فيتمثّل لها حقيقة الملك بصورته المحسوسة بحسب ما يحتملها ، فيرى ملكا على غير صورته الّتي كانت له في عالم الأمر ؛ لأنّ الأمر إذا نزل صار خلقا مقدّرا ، فيرى صورته الخلقيّة القدريّة ، ويسمع كلاما مسموعا بعد ما كان وحيا معقولا ، أو يرى لوحا بيده مكتوبا ، فالموحى إليه يتّصل بالملك أوّلا بروحه العقليّ ، ويتلقّى منه المعارف الإلهيّة ، ويشاهد ببصره العقليّ آيات ربّه الكبرى ، ويسمع بسمعه العقليّ كلام ربّ العالمين من الرّوح الأعظم ، ثمّ إذا نزل عن هذا المقام الشّامخ الإلهيّ يتمثّل له الملك بصورة محسوسة بحسبه ، ثمّ ينحدر إلى حسّه الظّاهر ، ثمّ إلى الهواء ، وهكذا الكلام في كلامه ، فيسمع أصواتا وحروفا منظومة مسموعة ، يختصّ هو بسماعها دون غيره ، فيكون كلّ من الملك وكلامه وكتابه قد تأدّى من غيبه إلى شهادته ، ومن باطن سرّه إلى مشاعره ، وهذه التّأدية ليست من قبيل الانتقال والحركة للملك الموحي من موطنه ومقامه ؛ إذ كلّ له مقام معلوم لا يتعدّاه ولا ينتقل عنه ، بل مرجع ذلك إلى انبعاث