وإلى هذه الاقسام الثّلاثة أشار بقوله تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
« 1 » . فالأوّل هو التّعليم الإلهيّ ، والثّاني هو الملكيّ ، والثّالث هو البشريّ ، فافهم إن كنت من أهله . ولا يفهم هذه الرّموز إلّا من خرج طائر روحه الأمريّ من قالبه البشريّ ونفسه ، فإنّه منطق الطّير ، وأنت بعد بيضة محبوسة في القشر الصّوريّ ، لست من السّيارين في أرض الملكوت ولا من الطّيّارين في جوّ الجبروت .
وجه آخر من الفرق ، أنّه قال تعالى :
وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ
« 2 » . وقال :
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ
« 3 » ، وقال في حقّ القرآن :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
« 4 » . والفرق ظاهر بين كتاب فيه هدى للنّاس ويستوون في هداه الأنبياء والأمم ، وبين كتاب فيه هدى الأنبياء والمتّقين من هذه الأمّة المخصوصين بالعناية ، كما قال :
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
« 5 » .
وجه آخر ، قال :
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً
« 6 » ، وقال في حقّ القرآن :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
« 7 » ، وقال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
« 8 » .
والفرق عظيم بين الكتابة والوحي وكذا بين الموعظة والبرهان ثمّ إنّه جعل اللّه تشريف سائر الأنبياء : مثل تشريف هذه الأمّة المرحومة لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله ، حيث قال لهذه
هامش
( 1 ) - الشّورى / 51 .
( 2 ) - الإسراء / 3 .
( 3 ) - آل عمران / 3 و 4 .
( 4 ) - الشّورى / 52 .
( 5 ) - الشّورى / 52 .
( 6 ) - الأعراف / 145 .
( 7 ) - النّجم / 10 .
( 8 ) - النّساء / 174 .