يوصف بأنّه منزل ومنزّل ؛ لأنّه تعالى أنزله جملة من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ، وأمر السّفرة الكرام بانتساخه ، ثم نزّله إلى الأرض إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم منجّما موزّعا على حسب المصالح ووقوع الحوادث ، إلّا أنّ في إنزاله إلى السّماء الدّنيا قولين ؛
أحدهما : ما روي عن عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قال : أنزل القرآن جملة واحدة من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ليلة القدر ، ثمّ نزل إلى الأرض في عشرين سنة .
وثانيهما : أنّه أنزل من اللّوح إلى السّماء الدّنيا كلّ سنة مقدار ما يكون منزلا في سنة واحدة بحسب المصالح .
فعلى هذا القول يقع الإنزال الدّفعيّ عشرين مرّة ، وعلى القول الأوّل يقع مرّة واحدة :
وإنّما حمد اللّه تعالى على التّنزيل دون الإنزال على أنّ التّنزيل أعمّ وأكمل نعمة في حقّنا بالنّسبة إلى الإنزال ؛ إذ لا تظهر لنا فائدة في نزوله جملة إلى السّماء الدّنيا . ( 1 : 2 - 3 )
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
البقرة / 185 .
قوله : ( أي ابتدأ فيه إنزاله ) جواب عمّا يقال : إنّ القرآن نزل على محمّد صلّى اللّه عليه وسلم في مدّة ثلاث وعشرين سنة منجّما مبعّضا ، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان ؟ أجاب بثلاثة أوجه ؛
الوجه الأوّل : أنّ ابتداء نزوله وقع في رمضان في ليلة القدر منه ، وفيه مجاز حينئذ ؛ لأنّه حمل لفظ القرآن على بعض أجزائه .
وروي عن عمر بن الخطّاب أنّه استدلّ بهذه الآية وبقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
« 1 » على أنّ ليلة القدر لا تكون إلّا في رمضان ؛ لأنّ ليلة القدر إذا كانت في رمضان كان إنزاله في ليلة القدر إنزالا في رمضان .
والوجه الثّاني : أنّ القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدّنيا ، ثمّ نزل نجوما .
روي عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه أنّه سئل عن قوله عزّ وجلّ :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
وقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
وقد نزل
هامش
( 1 ) - القدر / 1 .