من المفصّل فيها ذكر الجنّة والنّار ، حتّى إذا ثاب النّاس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أوّل شيء « لا تشربوا الخمر » لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل « لا تزنوا » لقالوا :
لا ندع الزّنا أبدا . ثمّ رأيت هذه الحكمة مصرّحا بها في النّاسخ والمنسوخ المكيّ .
فرع الّذي استقرئ من الأحاديث الصّحيحة وغيرها أنّ القرآن كان ينزّل بحسب الحاجة خمس آيات وعشرا وأكثر وأقلّ ، وقد صحّ نزول العشر آيات في قصّة الإفك جملة ، وصحّ نزول عشر آيات من أوّل « المؤمنون » جملة ، وصحّ نزول
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
« 1 » وحدها ؛ وهي بعض آية ، وكذا قوله :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً . . .
« 2 » إلى آخر الآية ، نزلت بعد نزول أوّل الآية كما حرّرناه في أسباب النّزول ، وذلك بعض آية .
وأخرج ابن أشتة في كتاب « المصاحف » عن عكرمة في قوله :
بِمَواقِعِ
« 3 » قال : أنزل اللّه القرآن نجوما ثلاث آيات ، وأربع آيات ، وخمس آيات .
وقال النّكزاويّ في كتاب « الوقف » : كان القرآن ينزل مفرّقا الآية والآيتين والثّلاث والأربع ، وأكثر من ذلك .
[ ثمّ ذكر رواية ابن عساكر من طريق أبي نضرة ورواية البيهقيّ في « الشّعب » من طريق أبي خلدة . . . ، كما تقدّم آنفا في « الدرّ المنثور » ثمّ قال : ]
من طريق ضعيف عن عليّ ، قال : أنزل القرآن خمسا خمسا إلّا سورة الأنعام ، ومن حفظ خمسا خمسا لم ينسه .
فالجواب : أنّ معناه - إن صحّ - إلقاؤه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بهذا القدر حتّى يحفظه ، ثمّ يلقي إليه الباقي ، لا إنزاله بهذا القدر خاصّة . ويوضّح ذلك ما أخرجه البيهقيّ أيضا ، عن خالد بن دينار ، قال : قال لنا أبو العالية : تعلّموا القرآن خمس آيات ، خمس آيات ، فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم
هامش
( 1 ) - النّساء / 95 .
( 2 ) - التّوبة / 28 .
( 3 ) - الواقعة / 75 .