تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
تذنيب ما تقدّم في كلام هؤلاء من أنّ سائر الكتب أنزلت جملة هو مشهور في كلام العلماء وعلى ألسنتهم ، حتّى كاد يكون إجماعا . وقد رأيت بعض فضلاء العصر أنكر ذلك ، وقال : إنّه لا دليل عليه ، بل الصّواب أنّها نزلت مفرّقة كالقرآن . وأقول : الصّواب الأوّل ، ومن الأدلّة على ذلك آية الفرقان السّابقة . أخرج ابن أبي حاتم ، من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس ، قال : قالت اليهود : يا أبا القاسم ، لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التّوراة على موسى ، فنزلت . وأخرجه من وجه آخر عنه بلفظ : قال المشركون ، وأخرج نحوه عن قتادة والسّدّيّ . فإن قلت : ليس في القرآن التّصريح بذلك ، وإنّما هو على تقدير ثبوته قول الكفّار ! قلت : سكوته تعالى عن الردّ عليهم في ذلك وعدوله إلى بيان حكمته دليل على صحّته ، ولو كانت الكتب كلّها نزلت مفرّقة لكان يكفي في الردّ عليهم أن يقول : إنّ ذلك سنّة اللّه في الكتب الّتي أنزلها على الرّسل السّابقة ، كما أجاب بمثل ذلك قولهم :
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
« 1 » فقال :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
« 2 » ، وقولهم :
أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
« 3 » ، فقال :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ
« 4 » ، وقولهم : كيف يكون رسولا ولا همّ له إلّا النّساء ! فقال :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً . . .
« 5 » ، إلى غير ذلك . ومن الأدلّة على ذلك أيضا قوله تعالى في إنزال التّوراة على موسى يوم الصّعقة :
فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا
هامش
( 1 ) - الفرقان / 7 . ( 2 ) - الفرقان / 20 . ( 3 ) - الإسراء / 94 . ( 4 ) - يوسف / 109 . ( 5 ) - الرّعد / 38 .