تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الفرقان في علوم القرآن — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وقد حث الله تعالى في غير آية على تدبره وكيف يتأتى التدبر والاتعاظ والاعتبار بدون فهم وبخاصة لمن لم يعرف لغته وقد قال تعالى :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
« 1 » وقال :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
« 2 » . فهذه الأوجه وغيرها تدل دلالة صريحة على أن ترجمة التفسير مطلوبة شرعا . ولهذا قال كثير من علماء التفسير والحديث إن ترجمة القرآن إلى غير العربية كافية عن إنزاله بلغات مختلفة ومرادهم بذلك الترجمة المعنوية لا الحرفية لما علمت من أن الحرفية على الوجه الصحيح غير ممكنة ولا يجوز الإقدام عليها ومن ذلك : ( أولا ) ما قاله الإمام أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي في تفسيره المشهور عند قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
« 3 » ما نصه فإن قلت : إن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بعث إلى الناس جميعا بقوله تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
« 4 » بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة . قلت : لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى عن التطويل فتعين أن ينزل بلسان واحد وكان لسان قومه أولى بالتعين لأنهم أقرب إليه ولأنه أبعد من التحريف والتبديل . أه . ( ثانيا ) قال الإمام الزمخشري في الكشاف عند تفسير الآية المذكورة ما نصه : ( فإن قلت ) لم يبعث رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعا
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة وإن لم تكن لغيرهم حجة فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة أيضا .
هامش
( 1 ) الحج : 78 . ( 2 ) البقرة : 286 . ( 3 ) إبراهيم : 4 . ( 4 ) الأعراف : 158 .