قلت : لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى عن التطويل فبقى أن ينزل بلسان واحد فكان أولى الألسنة أن ينزل بلسان قوم الرسول لأنهم أقرب اليه .
فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر قامت التراجم ببيانه وتفهيمه كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة والأقطار المتنازحة والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكد القرائح فيه من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب ولأنه أبعد من التحريف والتبديل وأسلم من التنازع والاختلاف . أه .
وقد كتب صاحب الانتصاف على هذه العبارة ما نصه ( جميع الفصل مرضى ) أه .
وقليل من النظر في كل من عبارة النسفي والزمخشري يؤيد ما بيناه سابقا من أن الترجمة المعنوية مطلوبة لتبليغ هداية القرآن إلى الأمم بدليل قول الزمخشري ( قامت التراجم ببيانه وتفهيمه ) .
وبدليل قوله : مع ما في ذلك . . إلخ . . فهذا يدل دلالة واضحة على أن مراده بالترجمة التفسير بغير اللغة العربية .
( ثالثا ) قال شيخ زاده في حاشيته المشهورة على تفسير البيضاوي عند الكلام على هذه الآية ما نصه ( والذي يخطر ببالي في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنها جواب عما ورد على قوله تعالى :
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
« 1 » وهو أن تعريف الناس للاستغراق لقوله تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
« 2 » وما أنزل إليه عليه الصلاة والسلام بلسان العرب خاصة فكيف يخرج به جميع الناس من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان .
هامش
( 1 ) إبراهيم : 1 .
( 2 ) الأعراف : 158 .