وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها
« 1 » فإن معناه وآتينا ثمود الناقة آية مبصرة بينة واضحة فظلموا ، بقتلها ، أنفسهم أو فجحدوا بها ، ولكن الناظر إلى ظاهر العربية يظن أن مبصرة حال من الناقة وهي وصف لها في المعنى ! ولا يدرى بما ظلموا ؟ وهل ظلموا غيرهم أو أنفسهم ؟ .
وإذا صح حمل الحديث على أحد هذه الأوجه لا يصح دليلا للقائلين بالمنع .
وأجيب عن حديث جندب :
أولا - أن هذا الحديث لم تثبت صحته ، وعلى فرض صحته فيجاب .
ثانيا - بأن المعنى فقد أخطأ الطريق ، إذ الطريق الرجوع في ألفاظه إلى أهل اللغة ؛ وفي نحو الناسخ والمنسوخ إلى الأخبار ، وفي بيان المراد منه إلى صاحب الشرع ، فإن لم يجد فلا بأس بالفكر ليستدل بما ورد على ما لم يرد .
ثالثا - يحمل الحديث على من قال في القرآن قولا يوافق هواه بأن يجعل المذهب أصلا وتفسير القرآن تبعا ، فالباء في قوله ( برأيه ) سببية .
رابعا - أنه محمول على القول في المتشابه ، أو على الجزم بأن مراد الله كذا . .
وهذه الأجوبة كلها ما عدا الأول بنحو ما أجبنا به عن حديث ابن عباس ، فالحديث الثاني كالحديث الأول كلاهما لا يتم به الاستدلال للمانعين من التفسير بالرأي .
( الدليل الثالث ) ما ورد عن الصحابة والتابعين من الآثار التي تدل على أنهم كانوا يتحرجون عن القول في القرآن بآرائهم ، فمن ذلك ما روى عن سيدنا أبى بكر رضي الله عنه أنه قال ( أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في القرآن برأيي أو بما لا أعلم ؟ ! ) . وما ورد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال : أنا لا أقول في القرآن شيئا - وكان سعيد إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع شيئا .
ومن ذلك ما روى عن الشّعبيّ أنه قال : ( ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت القرآن والروح والرأي ) وغير ذلك من الأخبار التي تدل على أن القول في القرآن بالرأي ممنوع .
هامش
( 1 ) الإسراء : 59 .