( الدليل الثاني ) السنة وهي :
( أولا ) ما رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « اتقوا الحديث علىّ إلا ما علمتم فمن كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار » .
( ثانيا ) ما أخرجه أبو داود عن جندب قال ، قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ » .
وأجيب عن حديث بن عباس بأجوبة ثلاثة .
أولها - أنه محمول على من قال برأيه في مشكل القرآن ومتشابهه ونحوه مما لا يعلم إلا من طريق النقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة والتابعين ، وهذا متعرض لسخط الله لاجترائه على ما لا يعلم إلا من قبل رسوله .
ثانيها - أنه محمول على من قال في القرآن قولا وهو يعلم أن الحق غيره بأن يكون له في الشيء رأى وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأول القرآن على وفق هواه ليحتج به على تصحيح غرضه ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لا يلوح له المعنى الذي حمل القرآن عليه ، أو وهو يجهل الحق فيحمل الآية إذا كانت محتملة لأكثر من وجه على ما يوافق غرضه ثم يرجح برأيه وهواه ذلك الوجه ، ولولا رأيه لما ترجح عنده ذلك الوجه . .
ومثل من يعلم أن الحق خلاف قوله ، ومن يجهل الحق ولكن يرجح برأيه الذي يوافق غرضه - من له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن يعلم أنه ليس مقصودا به ما أراد ، مثل الداعي إلى مجاهدة النفس فيقول المراد بقوله تعالى :
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
( النفس ) فهذا أيضا قائل في القرآن برأيه .
ثالثها - أنه محمول على من يقول في القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير ، إذ النقل لا بد منه في التفسير أولا لاجتناب مواضع الغلط ، بعد ذلك يكون التوسع في الفهم والاستنباط فالنظر إلى ظاهر العربية وحده غير كاف ، انظر إلى قوله تعالى :