وأجيب عن هذه الآثار بأن إحجام من ذكرنا عن القول في القرآن كان حذرا وخوفا من أن لا يبلغوا ما كلفوا به من إصابة الصواب في القول ، وليس ذلك لأن تأويل القرآن محجوب عن علماء الأمة غير موجود بين أظهرهم .
على أنه قد ورد عنهم أيضا ما يفيد أنهم تكلموا في القرآن باجتهادهم ورأيهم ، فقد ورد عن سيدنا أبى بكر وقد سئل عن الكلالة المذكورة في القرآن أنه قال : ( أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان - الكلالة كذا وكذا ) وكان جملة من السلف كثير عددهم يفسرون القرآن ، وأولهم الصحابة رضي الله عنهم فقد فسروا القرآن واختلفوا فيه ، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومنهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم وغيرهم من الصحابة والتابعين كما قدمنا .
فدل ذلك على أن من كانوا يتورعون منهم كانوا يخشون ألا يوافقوا مراد الله عز وجل ، وكان بعضهم يخشى أن يتخذ إماما في التفسير يبنى على مذهبه ويتبع طريقه ، فلعل متأخرا عنه يفسر القرآن برأيه ويخطئ ويقول : إمامي في التفسير بالرأي فلان من السلف . هذا هو السبب في إحجامهم عن التفسير .
وأما المجوزون فقد استدلوا بما تقدم من تفسير السلف وبما يأتي :
أولا : بالكتاب وهو قوله تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
« 1 » وقوله تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
« 2 » وقوله تعالى :
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 27 ) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
« 3 » وقوله تعالى :
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
« 4 » .
هامش
( 1 ) محمد : 24 .
( 2 ) ص : 29 .
( 3 ) الزمر : 27 ، 28 .
( 4 ) النساء : 83 .