فصاحب العلوم العقلية عنى بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبههم والرد عليهم .
مثل الفخر الرازي ، وصاحب الفقه كانت عنايته شديدة بتقرير الأدلة للفروع الفقهية والرد على أدلة المخالفين وذلك مثل القرطبي ، وصاحب النحو كان اهتمامه شديدا بالإعراب ووجوهه ونقل قواعد النحو وفروعه وذلك مثل الزجاج والواحدي في البسيط وأبى حيان في البحر .
وأصحاب المذاهب الفاسدة والمبتدعة قصدوا إلى تأويل القرآن طبق مذاهبهم وبدعهم ، والأخباريون قصدوا استيفاء القصص والأخبار عمن سلف سواء كانت صحيحة أو باطلة ، والإشاريون وأرباب التصوف قصدوا ناحية الترغيب والترهيب والزهد والقناعة والرضى وفسروا القرآن بما يطابق أذواقهم ومشاربهم .
وبالجملة كل صاحب فن تكلم في التفسير بما يوافق فنه ولو كان بمعزل عن التفسير وعن الغرض الذي من أجله نزل القرآن . ولقد غالى بعض العلماء فحاول أن يجعل القرآن الكريم مشتملا على جميع الفنون والعلوم فحملوه من التأويل ما لم ينزل الله به من سلطان وتعسفوا في ذلك حتى جعلوه مشتملا على الطبيعة والكيمياء والرياضة والجغرافيا والتاريخ وهلم جرا مما أملاه عليهم خيالهم .
فإن كان غرضهم اشتماله على قواعد العلوم كلها فذلك باطل بالبداهة ، وإن كان الغرض ذكر بعض المسائل العلمية المختلفة مما هو مفيد في مواطن العظة والاعتبار فذلك ما لا خلاف فيه ولا يحتاج إلى تعسف لأن القرآن الكريم ما نزل إلا للهداية وما يتعلق بها ، لا ليكون كتاب فلسفة وتشريح ، وإنما يذكر فيه ما يتعلق بالكائنات على اختلافها للعبرة والعظة والهداية فحسب وذلك من آيات إعجازه وهذا لا ينافي أن العلوم الشرعية جميعها مستنبطة من القرآن الكريم وبها كان للقرآن العظيم الفضل الأول على العلماء وتمت به الهداية قال تعالى :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
« 1 » .
وقال تعالى :
هامش
( 1 ) البقرة : 2 .