ثم التقينا ، فولوا عن سراتهم * من منجدين ، ومنهم فرقة غاروا
يستوحى ذلك من قوله تعالى :
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
( الأنفال 48 ) . وتأمل التصوير القوى البارع في القرآن لتزيين الشيطان أعمال الكافرين لهم ، فإن القرآن قد نقل ذلك الحديث الذي أوحى به الشيطان إلى أوليائه وكيف ملأ قلبهم بالغرور ، وهنا يجمل حسان ، بينما يفصل القرآن ، وفي هذا التفصيل سر الحياة ، تلك الحياة التي ترينا الشيطان ناكصا على عقبيه ، عندما تراءت الفئتان ، يبرأ من هؤلاء الذين غرهم بخداعه ، وأسلمهم إلى الموت بكذبه وإيهامه ، وهذه الحياة هي التي تنقص شعر حسان .
10 - وتأمل الفرق في الأسلوب ، عندما حور النابغة الجعدي أسلوب القرآن قليلا ، فقال :
الحمد للّه ، لا شريك له * من لم يقلها فنفسه ظلما
المولج الليل في النهار ، وفي اللي * ل نهارا ، يفرج الظلما
فقد حور قوله سبحانه :
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
( الحج 61 ) . فحذف المولج ، وتقديم في الليل ، وتنكير نهارا ، والمجيء بجملة « يفرج الظلما » ، كل ذلك أضعف أسلوب الشاعر ، وباعد بينه وبين الأسلوب القوى للقرآن .
11 - وخذ قول الشاعر :
فإنك لا تدرى بأية بلدة * تمت ، ولا ما يحدث اللّه في غد
المستمد من قوله تعالى :
وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ
( لقمان 34 ) ، تر التعميم في الآية الكريمة أكسبها فخامة وقوة ، والتعبير بتكسب فيه تصريح بعجز النفس عن أن تعرف ما تعمله هي نفسها في الغد ، وذلك ما لا تجده عند الشاعر الذي عمم فيما يحدثه اللّه في غد ، ولم يكن لهذا التعميم ما للتخصيص من قوة التعجيز .
12 - وهذا الشعر الذي ينسب إلى حمزة في غزوة بدر ، يتحدث عن الكفار :
أولئك قوم قتلوا في ضلالهم * وخلوا لواء غير محتضر النصر
لواء ضلال قاد إبليس أهله * فخاس بهم ، إن الخبيث إلى غدر
فقال لهم إذ عاين الأمر واضحا : * برئت إليكم ، ما بي اليوم من صبر
فإني أرى ما لا ترون ، وإنني * أخاف عقاب اللّه ، واللّه ذو قسر
فقدمهم للحين ، حتى تورطوا * وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر