القرآن نظرة أخرى ، وتأملته مرة ثانية ، فترى بعد موقعه وعالي محله وموضعه « 1 » . . . » ثم يورد بعض خطب البلغاء وكتبهم ، ويقول : « تأمل ذلك وسائر ما هو مسطر من الأخبار المأثورة عن السلف وأهل البيان واللسن ، والفصاحة والفطن . . . فسيقع لك الفضل بين كلام الناس وبين كلام رب العالمين ، وتعلم أن نظم القرآن يخالف نظم كلام الآدميين . . . فإن خيل إليك ، أو شبه عليك ، وظننت أنه يحتاج أن يوازن بين نظم الشعر والقرآن ، لأن الشعر أفصح من الخطب ، وأبرع من الرسائل وأدق مسلكا من جميع أصناف المحاورات . . . فتأمل ما نرتبه ينكشف لك الحق : إذا أردنا تحقيق ما ضمناه لك فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة متفق على كبر محلها وصحة نظمها ، وجودة بلاغتها ومعانيها ، وإجماعهم على إبداع صاحبها فيها ، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة ، والمعروفين بالحذق في البراعة ، فنقفك على مواضع خللها ، وعلى تفاوت نظمها ، وعلى اختلاف فصولها ، وعلى كثرة فضولها ، وعلى شدة تعسفها ، وبعض تكلفها ، وما تجمع من كلام رفيع يقرن بينه ، وبين كلام وضيع ، وبين لفظ سوقي يقرن بلفظ ملوكى « 2 » . . . » ثم عرض تطبيقا على منهجه معلقة امرئ القيس ، وأخذ يبين ما فيها من مجال النقص ، ووجوه العيب ، ثم قال : « وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها تتفاوت في أبياتها تفاوتا بينا في الجودة والرداءة ، والسلاسة والانعقاد ، والسلامة والانحلال ، والتمكن والتسهل ، والاسترسال والتوحش والاستكراه ، وله شركاء في نظائرها ، ومنازعون في محاسنها ، ومعارضون في بدائعها ، ولا سواء كلام ينحت من الصخر تارة ، ويذوب تارة ، ويتلون تلون الحرباء ، ويختلف اختلاف الأهواء ، ويكثر في تصرفه اضطرابه ، وتتقاذف به أسبابه ، وبين قول يجرى في سبكه على نظام ، وفي رصفه على منهاج ، وفي وضعه على حد ، وفي صفائه على باب ، وفي بهجته ورونقه على طريق ، مختلفه مؤتلف ، ومؤتلفه متحد ، ومتباعده متقارب وشارده مطيع ، ومطيعه شارد ، وهو على متصرفاته واحد ، لا يستصعب في حال ، ولا يتعقد في شأن « 3 » » .
ذلك هو منهج الباقلاني في الموازنات .
* * * وإن مجال الموازنات لمتسع بين القرآن والشعر عندما يكون الموضوع واحدا ، فقد تحدث القرآن والشعر عن كثير من الغزوات ولم يستطع الشعر برغم تقليده في كثير من الأحيان للقرآن أن يصل إلى السمو القرآني ، وأن يتناول شتى الأغراض التي تنتظم شؤون الجماعة الإسلامية ، في حين أن الشعر الذي تحدث عن هذه الغزوات ضعيف في جملته لا يخرج عن أغراض الشعر المعروفة يومئذ من مدح أو هجاء أو فخر أو رثاء .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه ص 115 .
( 2 ) المصدر السابق ص 126 وما يليها .
( 3 ) المصدر نفسه ص 147 .