تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
6 - ومن كتاب أرسله أبو عبيدة ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب : « إنّا نحذرك يوما تعنو فيه الوجوه وتجب فيه القلوب « 1 » » ، وقد وصف القرآن هذا اليوم ، فقال :
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ
( النور 37 ) ، وكلمة « التقلب » في الآية أشد دلالة على ما يصيب القلوب من الفزع والاضطراب في ذلك اليوم ، من الوجيب ، فضلا عما في النص القرآني من خلوصه من تكرير « فيه » الواردة في الرسالة . 7 - وعندما يتأثر الشاعر القرآن ، يبدو الفرق واضحا بين الأصل والتقليد ، وأصغ إلى حسان يقول :
وهل يستوى ضلال قوم تسفهوا * عمى ، وهداة يهتدون بمهتد
أخذه من قوله سبحانه :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ
( الرعد 16 ) . فأنت ترى حسان يوازن بين ضلّال وهداة ، وليس الفرق بينهما من الوضوح والقوة كالفرق بين الأعمى والبصير ، والظلمات والنور ، فالفرق هنا واضح ملموس ، يشعر به الناس جميعا ، حتى إذا اطمأنت النفس إلى هذا الفرق ، وآمنت بأن هناك بونا شاسعا بينهما ، انتقلت من ذلك إلى تبين مدى ما بين الضال والمهتدى من فرق بعيد . 8 - وقال حسان أيضا في رثاء رسول اللّه :
عزيز عليه أن يحيدوا عن الهدى * حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
أخذه من قوله تعالى :
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
( التوبة 128 ) . وقوة الآية القرآنية تبدو في إظهار نتيجة الحيد عن الهدى ، وهي الهلاك والعذاب ، وفي ذلك من التخويف لهم ما فيه ، فهو يبرز هذه النتيجة كأنها حقيقة واقعة ، تؤلم الرسول ، وتثقل عليه ، وتبدو هذه القوة أيضا في تعميم الحرص ، فهو حريص على هدايتهم ، حريص على خيرهم ، حريص على أن يظفروا في الآخرة بالثواب والنعيم المقيم ، وكل ذلك وأكثر منه يفهم من قوله : « حريص عليكم » ، أما حسان فقد خصص ولم يطلق . 9 - وقال حسان في غزوة بدر :
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم * لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
دلاهمو بغرور ، ثم أسلمهم * إن الخبيث لمن ولاه غرار
وقال : إني لكم جار ، فأوردهم * شر الموارد ، فيه الخزي والعار
هامش
( 1 ) ورد في المصدر السابق ص 116 .
من بلاغة القرآن — صفحة 296 | احمد احمد بدوي