تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠

خاتمة

من ذلك يبدو أن القرآن مكون من ألفاظ مختارة دقيقة موحية ، قد اتسقت في جملها ، واستقرت في مكانها ، وكونت مع زميلاتها آيات تؤثر في نفس سامعها بقوة نسجها ، وجمال موسيقاها ، قد قدم فيها ما قدم ، وأخر ما أخر ، وذكر ما ذكر ، وحذف ما حذف ، واستعملت صيغة دون أخرى ، لاعتبارات نفسية دقيقة ، وكونت تلك الآيات سورا ، ترمى إلى توجيه النفس الوجهة الصحيحة المستقيمة ، ولم تكدس الآيات في السورة تكديسا لا ربط فيه بين الآية وأختها ، ولكن كان النهج القرآني الذي يصل بين الآيات خير نهج يؤثر في النفس الإنسانية ، ويدفعها إلى العمل الصالح المثمر ، في أسلوب يدعو إلى التفكير الهادئ ، أو يؤثر تأثيرا سريعا عنيفا . أما عناصر الموضوعات القرآنية فمما يرتكز على الغرائز الثابتة في النفس ، وهي من أجل ذلك تؤثر عميق التأثير ، وتخلد ما بقي الزمن . هذا ، وقد كان لبلاغة القرآن أثر كبير فيما ألف من كتب البلاغة ، فمنه اقتبست تلك الكتب كثيرا من أمثلتها ، وألف بعض العلماء كتبا خاصة تعالج ناحية معينة من نواحي البلاغة القرآنية ، كما ترى ذلك في بعض ما أثبتناه من مراجع البحث ، ولكن وقف معظمه عند حد الدراسة اللفظية ، وعند حدود الجملة . ولست أزعم أنني وفيت الموضوع حقه ، لأن ذلك يتطلب من الجهد والوقت ما لا أملكه إلى اليوم ، وحسبي الآن أنني وضعت منهجا ، ورسمت خطة لدراسة البلاغة القرآنية ، كما ينبغي أن تكون ، مؤملا أن أفتح بذلك أبواب البحث لمن يتخصص في هذه الدراسة ، فيتناول دراسة المفرد والجملة والسورة والمعنى ، على أسس من الاستقراء الشامل ، معيدا خصائصها إلى قواعد مطردة ، وأصول ثابتة . والحمد للّه الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا اللّه .