وهو يستوحى كحسان قوله تعالى :
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ . . .
( الأنفال 48 ) فأي فرق شاسع بين الأسلوبين وبين التصويرين ، فالأسلوب في الشعر متهاو ضعيف ، بينما هو في الآية قوى رائع ، يصور الشيطان وقد ملأ أفئدتهم إعجابا بأعمالهم ، فاغتروا بها ، وتكاد تستمع إلى وسوسته ، وهو يؤكد لهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس ما دام جارا لهم ، وتتخيله موليا الأدبار بعد أن تراءت الفئتان ، وبدت أمام عينيه الهزيمة ، فيسلم قومه إلى القتل ، ويفر غادرا بهم ، ويرن في أذنك براءته منهم ، معللا ذلك بأنه يرى ما لا يرون ، وبأنه يخاف اللّه ، وفي ذلك التصوير من التهكم بهم ما فيه .
أما الشعر فبيّن الضعف ، يصف اللواء بأنه غير محتضر النصر . وقوله : إذ عاين الأمر واضحا ، ليس بأسلوب شعري . والفرق قوى بين : واللّه شديد العقاب ، وقوله :
واللّه ذو قسر ، وأنت ترى أنه برغم أن المعنى قد أوضحه القرآن ، لم يستطع الشاعر أن ينهض إلى مستوى رفيع .
* * * وللباقلاني منهج في الموازنة ، يبين به فضل كتاب اللّه ، هو « أن تنظر أولا في نظم القرآن ، ثم في شئ من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فتعرف الفصل بين النظمين ، والفرق بين الكلامين ، فإن تبين لك الفصل ، ووقعت على جلية الأمر ، وحقيقة الفرق ، فقد أدركت الغرض ، وصادفت المقصد ، وإن لم تفهم الفرق ، ولم تقع على الفصل ، فلا بدّ لك من التقليد ، وعلمت أنك من جملة العامة ، وأن سبيلك سبيل من هو خارج عن أهل اللسان « 1 » » ، ثم أورد الباقلاني بعض خطب الرسول وكتبه ، وعلق عليها بقوله : « ولا أطول عليك ، واقتصر على ما ألقيته إليك ، فإن كان لك في الصنعة خطر . . . فما أحسب أن يشتبه عليك الفرق بين براعة القرآن ، وبين ما نسخناه لك من كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في خطبه ورسائله ، وما عساك تسمعه من كلامه ، ويتساقط إليك من ألفاظه ، وأقدر أنك ترى بين الكلامين بونا بعيدا ، وأمدا مديدا ، وميدانا واسعا ، ومكانا شاسعا « 2 » . . . » .
« فإذا أردت زيادة في التبيين . . . فتأمل ( هداك اللّه ) ما ننسخه لك من خطب الصحابة والبلغاء ، لتعلم أن نسجها ونسج ما نقلنا من خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلم واحد وسبكها سبك غير مختلف ، وإنما يقع بين كلامه وكلام غيره ما يقع من التفاوت بين كلام الفصيحين ، وبين شعر الشاعرين . . . فإذا عرفت أن جميع كلام الآدمي منهاج ، ولجملته طريق ، وتبينت ما يمكن فيه من التفاوت - نظرت إلى نظم
هامش
( 1 ) إعجاز القرآن للباقلاني ص 109 .
( 2 ) المصدر السابق ص 114 .