تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
تطلع الفجر من جوانبها * وانفلتت من عقالها الظلم
وقال أيضا :
والصبح قد أخذت أنامل كفه * في كل جيب للظلام مزرر
فكأنما في الغرب راكب أدهم * يحتثه في الشرق راكب أشقر
وليس كل ذلك الشعر بباعث إلى نفسك الشعور بما في الصبح من يقظة وحياة ، كما يبعثه إلى نفسك تلك الكلمة القرآنية المختارة :
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
( التكوير 18 ) . فإنها تحمل إليك معنى الحياة التي دبت في الكون بعد طول هجوعه ، واليقظة التي شملته بعد رقاد وهمود ، ويصور لك الوجود ، وقد بدأ يفتح عينيه وينهض من سبات ، أما هذه الأبيات من الشعر فإنها وقفت تتلمس لهذه الظاهرة الكونية شبيها بصريا ، وقد أخفقت جميعها في هذا التصوير البصري ، فشعر السرى الرفاء تلمس للصبح مثيلا ، فوجد في الراية ذات العذبات البيض شبيها له ، ولا شئ يجمع بين المشبه والمشبه به سوى هذا اللون الأبيض ، أما الإحساس النفسي فلا دخل له في الربط بين هذين الطرفين ، ثم جعل السرى الليل راهبا ، ولا ندري كيف يدفع الهوى راهبا إلى الجنون وهو راهب ، وليت شعري ما الذي يبدو من الراهب إذا شق ثوبه ؟ ! وإذا كان الراهب أسود اللون فهل يبدو تحت جلبابه سوى السواد ، وشق الثوب من مجنون إنما يكون في سرعة لا تمثل ضوء الصباح الزاحف في بطء . أما شعر الشريف الرضى الأول فقد أجهدت ذهني في أن أربط صلة بين الصبح والراكب المتلثم ، فلم أجد رابطا ذا قيمة يصل بينهما ، ولما ذا اختار الشاعر الراكب دون الماشي ؟ وما لون هذا الراكب ؟ وعلى أي شئ يركب ؟ وهل الصبح كمتلثم يظل متلثما ، ثم يبدي صفحة وجهه دفعة واحدة ؟ وما الصورة التي ترتسم في ذهنك لهذا الصبح المتلثم الراكب ؟ وهل هيئة الصبح تشبه هيئة راكب متلثم ؟ وفيم ؟ كل هذه أسئلة تخرج منها بوهن الصلة بين الصبح وهذه الصورة التي يرسمها الشاعر ، وفي البيت الثاني يصور لك هذا الصبح ، وما فيه من جمال وروعة ، تبعث في النفس حب الجمال لهذه الطبيعة الباسمة المشرقة - صورة دامية بشعة ، تثير في النفس الخوف والألم والنفور ، صورة طعنة نجلاء يقطر منها الدم ، وسبب ذلك إغفال الجانب النفسي الشعورى من الشاعر عند التشبيه ، والوقوف عند حد اللون الذي يربط لون الصبح بتلك الآلة الحادة الطاعنة ، وذلك الضوء الأحمر الحي تزجيه الشمس بين يديها ، ولون قطرات الدماء ، ألا ما أعظم الفرق بين الشعورين ! وما أقوى أن يتنافرا ، حتى لا يجمع بينهما رباط !