أما حياتهم الاقتصادية فقد صورهم القرآن قوما يحبون التجارة ، لدرجة أنها تملك عليهم قلوبهم فينصرفون إليها ، حتى عن الصلاة والعبادة ، قال سبحانه :
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
( الجمعة 11 ) ، ونزلت سورة يمنّ فيها على قريش بنعمة الأمن التي بها يجوبون البلاد العربية في الشتاء والصيف من غير أن يزعجهم إغارة مغير أو قطع طريق .
هذا ، وقد كان في بلاد العرب من يستحل الربا ، ولا يرى فارقا بين البيع والربا ، ومن هؤلاء من كان يأخذ الربا أضعافا مضاعفة ، وقد نهى القرآن عن الربا فقال :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
( البقرة 275 ) .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( آل عمران 130 ) .
وصور القرآن حياتهم الثقافية قوما أميين ، ليست لديهم معارف منظمة مكتوبة ، ولذلك امتن عليهم بأن هذا الدين الجديد فاتحة عهد عرفان وهداية ، فقال :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( الجمعة 2 ) ، ولكنهم كانوا يعرفون القلم ، وبه كان يكتب بعضهم ،
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
( 4 ) ( العلق 3 - 4 ) . وبرغم هذه الأمية يقرر القرآن شدة لددهم ، وقوتهم في المراء والجدل ، إذ قال :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
( مريم 97 ) . ومن معارف العرب التي أشار القرآن إليها علمهم بالنجوم ومواقعها ، ولذلك امتن عليهم بخلق هذه النجوم ، لأنها مصباح في الظلام ، يهديهم في البر والبحر ،
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
( الأنعام 97 ) .
* * *