تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 ) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
( 136 ) ( البقرة 135 ، 136 ) . وعرض القرآن مرة ثانية لإبراهيم في سورة البقرة ، وهو في معرض الحديث عن انفراد اللّه بالألوهية ، وأنه لا شريك له في السماوات ولا في الأرض ، فعرض من قصته في هذا المقام ما يناسبه إذ عرض هذا الحديث الذي دار بين إبراهيم ، وبين الملك الذي آتاه اللّه الملك ، فادعى الألوهية ، فأفحمه إبراهيم إفحاما لم يستطع الملك أن يتخلص منه ، وتتبين جمال الاستشهاد بهذا الجزء من قصة إبراهيم إذا أنت قرأت آية الوحدانية التي منها :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
( البقرة 255 ) . ثم قرأت قوله متعجبا :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( البقرة 258 ) . وكان الحديث عن إبراهيم وسؤال ربه
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
( البقرة 260 ) . مرتبطا تمام الارتباط بالحديث عن اللّه الذي يحيى ويميت . وجاء بجانب من قصة إبراهيم في سورة الأنعام ، وكان يتحدث عن قلة غناء عبادة غير اللّه ، وضلال من يتخذ من دون اللّه إلها لا ينفع ولا يضر ، وحيرته وفقدان صوابه ، إذ يقول :
قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ
( الأنعام 71 ) . فلا جرم ناسب المقام أن يورد هنا من قصة إبراهيم هذا الحديث الذي دار بينه وبين أبيه آزر ، ينكر فيه إبراهيم على أبيه أن يتخذ من دون اللّه إلها ، ثم يمضى القرآن مبينا كيف اهتدى إبراهيم إلى اللّه الحق ، بعد أن رأى سواه ، ليس خليقا بالألوهية ، ولا يصلح للعبادة ، فيقول :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 74 ) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 79 ) ( الأنعام 74 - 79 ) . أرأيت شدة الصلة بين هذا الجزء من قصة إبراهيم ، وبين المقام الذي ورد فيه . وجاء الحديث عن استغفار إبراهيم لأبيه في سورة التوبة ، بعد نهى الرسول
من بلاغة القرآن — صفحة 278 | احمد احمد بدوي