النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ
( 4 ) ( القارعة 1 - 4 ) . ولا أخال أحدا لم ير الفراش يسرع إلى الضوء ، ويتهافت عليه في ضعف وإلحاف معا ، ولقد تناول القرآن إسراعهم مرة أخرى ، فشبههم بهؤلاء الذين كانوا يسرعون في خطوهم ، ليعبدوا أنصابا مقامة ، وتماثيل منحوتة ، كانوا متحمسين في عبادتها ، يقبلون عليها في رغبة واشتياق ، فيقول :
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
( المعارج 43 ) .
ويتناول المجرمين ، فيصوّر ما سوف يجدونه يومئذ من ذلة وخزى ، ويرسم وجوههم ، وقد علتها الكآبة :
كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( يونس 27 ) . أما طعامهم فمن شجرة الزقوم ، يتناولونها فيحسون بنيران تحرق أمعاءهم فكأنما طعموا نحاسا ذائبا أو زيتا ملتهبا ، وإذا ما اشتد بهم الظمأ واستغاثوا قدمت إليهم مياه كهذا النحاس والزيت تشوى وجوههم ، قال تعالى :
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ( 43 ) طَعامُ الْأَثِيمِ ( 44 ) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ( 45 ) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ
( 46 ) ( الدخان 43 - 46 ) . وقال سبحانه :
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ
( الكهف 29 ) . ألا ترى التشبيه يثير في النفس خوفا وانزعاجا .
ويصور آكل الربا يوم القيامة صورة منفرة منه ، مزرية به ، فهل رأيت ذلك الذي أصابه مس من الشيطان ، فهو لا ينهض واقفا حتى يسقط ، ولا يقوم إلّا ليقع ، ذلك مثل آكل الربا :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
( البقرة 275 ) .
ولعب التشبيه دورا في تصوير يوم القيامة ، وما فيه من الجنة والنار ، ففي ذلك الحين ، تفقد الجبال تماسكها ، وتكون
كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
( القارعة 5 ) . وتفقد السماء نظام جاذبيتها ، فتنشق ، ويصبح الجوّ ذا لون أحمر كالورد :
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
( الرحمن 37 ) . وأما جهنم فضخامتها وقوة لهبها مما لا يستطيع العقل تصوره ، ومما لا يمكن أن تقاس إليها تلك النيران التي نشاهدها في حياتنا ، وحسبك أن تعلم أن شررها ليس كهذا الشرر الذي يشبه الهباءة اليسيرة ، وإنما هو شرر ضخم ضخامة غير معهودة ، وهنا يسعف التشبيه ، فيمد الخيال بالصورة ، حين يجعل لك هذا الشرر كأنه أشجار ضخمة تتهاوى ، أو جمال صفر تتساقط :
إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ
( 33 ) ( المرسلات 32 ، 33 ) . وأما الجنة ففي سعة لا يدرك العقل مداها ، ولا يستطيع التعبير أن يحدها ، أو يعرف منتهاها ، ويأتي التشبيه ممدا في الخيال ، كي يسبح ما يشاء أن يسبح ، فيقول :
وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
( الحديد 21 ) .
وهكذا ترى التشبيه يعمل على تمثيل الغائب حتى يصبح حاضرا ، وتقريب البعيد النائي حتى يصير قريبا دانيا .