تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
أن تثمر وتزهر ، ويفيدوا منها لولا أن هبت عليها ريح الشرك فأبادتها ، كما تهب الريح الشديدة البرد بزرع كان ينتظر إثماره فأهلكته :
مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( آل عمران 117 ) . وهناك طائفة من التشبيهات ترتبط بيوم القيامة ، لجأ إليها القرآن للتصوير والتأثير معا ، فإذا أراد القرآن أن يبين قدرة اللّه على أن يأتي بذلك اليوم ، بأسرع مما يتصور المتصورون لجأ إلى أسرع ما يراه الرائي ، فاتخذه مثلا يؤدى إلى الهدف المراد ، فيقول :
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( النحل 77 ) . ويقرب أمر البعث إلى الأذهان بتوجيه النظر إلى بدء الإنسان ، وأن هذا البعث صورة من هذا البدء ، فيقول :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
( الأعراف 29 ) . وبتوجيه النظر إلى هذا السحاب الثّقال يسوقه اللّه لبلد ميت ، حتى إذا نزل ماؤه دبت الحياة في أوصال الأرض ، فخرج الثمر منها يانعا ، وهكذا يخلق اللّه الحياة في الموتى ، قال سبحانه :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
( الأعراف 57 ) . وإذا جاء يوم القيامة استيقظ الناس لا يشعرون بأنه قد مضى عليهم حين من الدهر طويل منذ فارقوا حياتهم ، ويورد القرآن من التشبيه ما يصور هذه الحالة النفسية ، فيقول :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
( يونس 45 ) . وإذا نظرت إلى قوة التشبيه مقترنة بقوله :
يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ
أدركت مدى ما يستطيع أن يحدثه في النفس من أثر . وقد كرر هذا المعنى في موضع آخر يريد أن يثبته في النفس ويؤكده فقال :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ( 42 ) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ( 43 ) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ( 44 ) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
( 46 ) ( النازعات 42 - 46 ) . ها هم أولاء قد بعثوا ، خارجين من أجداثهم في كثرة لا تدرك العين مداها ، وما ذا يستطيع أن يرسم لك تلك الصورة ، تدل على الغزارة والحركة والانبعاث ، أفضل من هذا التشبيه الذي أورده القرآن حين قال :
خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ( 7 ) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ
( 8 ) ( القمر 7 ، 8 ) . وحينا يصوّرهم ضعافا يتهافتون مسرعين إلى الداعي كي يحاسبهم ، فيجد في الفراش صورتهم ، فيقول :
الْقارِعَةُ ( 1 ) مَا الْقارِعَةُ ( 2 ) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ ( 3 ) يَوْمَ يَكُونُ