صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
( الصف 4 ) . لما تثيره في النفس من معنى الالتحام والاتصال والاجتماع القوى ، وغير ذلك من معان ترتبط بما ذكرناه ، مما لا يثار في النفس عند كلمة حائط أو جدار مثلا .
واختار القرآن كلمة « لباس » ، في قوله تعالى :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
( البقرة 187 ) . لما توحى به تلك الكلمة من شدة الاحتياج ، كاحتياج المرء للباس ، يكون مصدر راحة ، وعنوان زينة معا .
ومن مميزات التشبيه القرآني أيضا أن المشبه قد يكون واحدا ويشبه بأمرين أو أكثر ، لمحا لصلة تربط بين هذا الأمر وما يشبهه ، تثبيتا للفكرة في النفس .
أو لمحا لها من عدة زوايا ، ومن ذلك مثلا تصوير حيرة المنافقين واضطراب أمرهم ، فإن هذه الحيرة يشتد تصورها لدى النفس ، إذا هي استحضرت صورة هذا الساري قد أوقد نارا تضيء طريقه ، فعرف أين يمشى ثمّ لم يلبث أن ذهب الضوء ، وشمل المكان ظلام دامس ، لا يدرى السائر فيه أين يضع قدمه ، ولا كيف يأخذ سبيله ، فهو يتخبط ولا يمشى خطوة حتى يرتد خطوات . أو إذا استحضرت صورة هذا السائر تحت صيّب من المطر قد صحبه ظلمات ورعد وبرق ، أما الرعد فمتناه في الشدة إلى درجة أنه يود اتقاءه بوضع أصابعه إذا استطاع في أذنه ، وأما البرق فيكاد يخطف البصر ، وأما الظلمات المتراكمة فتحول بين السائر وبين الاهتداء إلى سواء السبيل . وتجد تعدّد هذا التشبيه في قوله سبحانه :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً . . .
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ . . . .
( البقرة 17 - 19 ) .
ومن النظر إلى الفكرة من عدّة زوايا ، أنه حينا ينظر إلى أعمال الكافرين من ناحية أنها لا أثر لها ولا نتيجة ، فيرد إلى الذهن حينئذ هذا الرماد الدقيق لا يقوى على البقاء أمام ريح شديدة لا تهدأ حتى تبدأ ؛ لأنها في يوم عاصف ، ألا ترى هذه الريح كفيلة بتبديد ذرّات هذا الغبار شذر مذر ، وأنها لا تبقى عليه ولا تذر ، وكذلك أعمال الكافرين ، لا تلبث أن تهب عليها ريح الكفر ، حتى تبددها ولا تبقى عليها ، وللتعبير عن ذلك جاء قوله سبحانه :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
( إبراهيم 18 ) .
وحينا ينظر إليها من ناحية أنها تغر أصحابها فيظنونها نافعة لهم ، مجدية عليهم ، حتى إذا جاءوا يوم القيامة لم يجدوا شيئا ، ألا ترى في السراب هذا الأمل المطمع ، ذا النهاية المؤيسة ، ولأداء هذا المعنى قال تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
( النور 39 ) .