في النفس ، وذلك كله يمهد للتشبيه خير تمهيد ، حتى إذا جاء مكن للصورة في النفس ، ووطد من أركانها . ومع ذلك ليس التشبيه في الآية عملا إضافيا ، بل فيه إتمام المعنى وإكماله ، فهو يوحى بالإحاطة بهم ، وشمولهم ، والقرب منهم قرب الظلة من المستظل بها ، وفي ذلك ما يوحى بخوف سقوطه عليهم .
ومن خصائص التشبيه القرآني دقته ، فهو يصف ويقيد حتى تصبح الصورة دقيقة واضحة أخاذة ، وخذ مثلا لذلك قوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( الجمعة 5 ) .
فقد يتراءى أنه يكفى في التشبيه أن يقال : مثلهم كمثل الحمار الذي لا يعقل ، ولكن الصورة تزداد قوة والتصاقا والتحاما ، حين يقرن بين هؤلاء وقد حملوا التوراة ، فلم ينتفعوا بما فيها ، وبين الحمار يحمل أسفار العلم ولا يدرى مما ضمته شيئا ، فتمام الصورتين يأتي من هذا القيد الذي جعل الصلة بينهما قوية وثيقة .
وقوله تعالى :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
( 51 ) ( المدثر 49 - 51 ) . فربما بدا أنه يكفى في تصوير إعراضهم وصفهم بأنهم كالحمير ، ولكنه في دقته لا يكتفى بذلك ، فهو يريد أن يصور نفرتهم من الدعوة ، وإسراعهم في إبعاد أنفسهم عنها ، إسراعا يمضون فيه على غير هدى ، فوصف الحمر بأنها مستنفرة تحمل نفسها على الهرب ، وتحثها عليه ، يزيد في هربها وفرارها أسد هصور يجرى خلفها ، فهي تتفرق في كل مكان ، وتجرى غير مهتدية في جريها ، أو لا ترى في صورة هذه الحمر وهي تجد في هربها لا تلوى على شئ ، تبغى الفرار من أسد يجرى وراءها ، ما ينقل إليك صورة هؤلاء القوم معرضين عن التذكرة ، فارين أمام الدعوة لا يلوون على شئ ، سائرين على غير هدى ، ثم ألا تبعث فيك هذه الصورة الهزء بهم والسخرية .
ومن ذلك وصفه الخشب بأنها
مُسَنَّدَةٌ
في قوله تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ
( المنافقون 4 ) . فهي ليست خشبا قائمة في أشجارها لما قد يكون لها من جمال في ذلك الوضع ، وليست موضوعة في جدار ؛ لأنها حينئذ تؤدى عملا ، وتشعر بمدى فائدتها ، وليست متخذا منها أبواب ونوافذ ، لما فيها من الحسن والزخرف والجمال ، ولكنها خشب مسندة قد خلت من الجمال ، وتوحى بالغفلة والاستسلام والبلاهة .
ولم يكتف في تشبيه الجبال يوم القيامة بالعهن ، بل وصفها بالمنفوش ، إذ قال :
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
( القارعة 5 ) . للدقة في تصوير هشاشة الجبال ،