تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
كما لم يكتف في تشبيه الناس يخرجون يوم القيامة بأنهم كالجراد بل وصفه بالمنتشر ، فقال :
يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ
( القمر 7 ) . حتى يكون دقيقا في تصوير هذه الجموع الحاشدة ، خارجة من أجداثها منتشرة في كل مكان تملأ الأفق ، ولا يتم هذا التصوير إلا بهذا الوصف الكاشف . ومن خصائص التشبيه القرآني المقدرة الفائقة في اختيار ألفاظه الدقيقة المصورة الموحية ، تجد ذلك في تشبيه قرآني ، وحسبي أن أشير هنا إلى بعض أمثلة لهذا الاختيار . نجد القرآن قد شبه بالجبال في موضعين ، فقال :
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ
( هود 42 ) . وقال :
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
( الشورى 32 ) . ولكنك تراه قد آثر كلمة الجبال عند الموج ، لما أنها توحى بالضخامة والجلال معا ، أما عند وصف السفن فقد آثر كلمة الأعلام ، جمع علم بمعنى جبل ، وسر إيثارها هو أن الكلمة المشتركة بين عدة معان تتداعى هذه المعاني عند ذكر هذه الكلمة ، ولما كان من معاني العلم الراية التي تستخدم للزينة والتجميل ، كان ذكر الأعلام محضرا إلى النفس هذا المعنى ، إلى جانب إحضارها صورة الجبال ، وكان إثارة هذا الخاطر ملحوظا عند ذكر السفن الجارية فوق البحر ، تزين سطحه ، فكأنما أريد الإشارة إلى جلالها وجمالها معا ، وفي كلمة الأعلام وفاء بتأدية هذا المعنى أدق وفاء . وشبه القرآن الموج في موضعين ، فقال :
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ
( هود 42 ) . وقال :
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
( لقمان 32 ) . وسر هذا التنويع أن الهدف في الآية الأولى يرمى إلى تصوير الموج عاليا ضخما ، مما تستطيع كلمة الجبال أن توحى به إلى النفس ، أما الآية الثانية فتصف قوما يذكرون اللّه عند الشدة ، وينسونه لدى الرخاء ، ويصف موقفا من مواقفهم كانوا فيه خائفين مرتاعين ، يركبون سفينة تتقاذفها الأمواج ، ألا ترى أن الموج يكون أشد إرهابا وأقوى تخويفا إذا هو ارتفع حتى ظلل الرؤوس ، هنالك يملأ الخوف القلوب ، وتذهل الرهبة النفوس ، وتبلغ القلوب الحناجر ، وفي تلك اللحظة يدعون اللّه مخلصين له الدين ، فلما كان المقام مقام رهبة وخوف ، كان وصف الموج بأنه كالظلل أدق في تصوير هذا المقام وأصدق . وعلى طريقة إيثار كلمة الأعلام على الجبال التي تحدثنا عنها ، آثر كلمة القصر على الشجر الضخم ؛ لأن الاشتراك في هذه الكلمة بين هذا المعنى ، ومعنى البيت الضخم يثير المعنيين في النفس معا فتزيد الفكرة عن ضخامة الشرر رسوخا في النفس . وآثر القرآن كلمة
بُنْيانٌ
في قوله سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ