تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
به من حيوانها الإنسان في أحوال مختلفة والعنكبوت والحمار ، والكلب ، والفراش ، والجراد ، والجمال ، والأنعام ، ومما اتخذ مشبها به من جمادها العهن المنفوش ، والصيب ، والجبال ، والحجارة ، والرماد ، والياقوت ، والمرجان ، والخشب ، ومن ذلك ترى أن القرآن لا يعنى بنفاسة المشبه به ، وإنما يعنى العناية كلها باقتراب الصورتين في النفس ، وشدة وضوحها وتأثيرها . هذا ولا يعكر على ما ذكرناه من استمداد القرآن عناصر التشبيه من الطبيعة ، ما جاء فيه من تشبيه نور اللّه بمصباح وصفه بأنه في زجاجة كأنها كوكب درىّ ؛ لأن هذا المصباح قد تغير وتحول ، فإن المراد تشبيه نور اللّه بالمصباح القوى ، والمصباح باق ما بقي الإنسان في حاجة إلى نور يبدد به ظلام الليل . ومن خصائص التشبيه القرآني ، أنه ليس عنصرا إضافيّا في الجملة ، ولكنه جزء أساسي لا يتم المعنى بدونه ، وإذا سقط من الجملة انهار المعنى من أساسه ، فعمله في الجملة أنه يعطى الفكرة في صورة واضحة مؤثرة ، فهو لا يمضى إلى التشبيه كأنما هو عمل مقصود لذاته ، ولكن التشبيه يأتي ضرورة في الجملة ، يتطلبه المعنى ليصبح واضحا قويّا ، وتأمل قوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
( البقرة 18 ) . تجد فكرة عدم سماعهم الحق وأنهم لا ينطقون به ، ولا ينظرون إلى الأدلة التي تهدى إليه ، إنما نقلها إليك التشبيه في صورة قوية مؤثرة ، كما تدرك شدة الفزع والرهبة التي ألمت بهؤلاء الذين دعوا إلى الجهاد ، فلم يدفعهم إيمانهم إليه في رضاء وتسليم ، بل ملأ الخوف نفوسهم من أن يكون الموت مصيرهم ، وتدرك ذلك من قوله سبحانه :
يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
( الأنفال 6 ) . وتفهم اضطراب المرأة وقلقها ، وعدم استقرارها على حال ، حتى لتصبح حياتها مليئة بالتعب والعناء - من قوله سبحانه :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ
( النساء 129 ) . وتفهم مدى حب المشركين لآلهتهم من قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
( البقرة 165 ) . وهكذا تجد للتشبيه مكانه في نقل الفكرة وتصويرها ، وقل أن يأتي التشبيه في القرآن بعد أن تتضح الفكرة نوع وضوح كما في قوله تعالى :
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ
( الأعراف 171 ) . وإذا أنت تأملت أسلوب الآية الكريمة وجدت هذا التعبير أقوى من أن يقال : وإذ صار الجبل كأنه ظلة ، لما في كلمة « نتق » من تصوير انتزاع الجبل من الأرض تصويرا يوحى إلى النفس بالرهبة والفزع ، ولما في كلمة « فوقهم » من زيادة هذا التصوير المفزع وتأكيده
من بلاغة القرآن — صفحة 153 | احمد احمد بدوي