إصغاء من يسمع ليتدبر ، فقد وجد القرآن في الأنعام شبيها لهم يقرنهم بها ، ويعقد بينهم وبينها وثيق الصلات ، فقال :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
( الأعراف 179 ) . وأنت ترى في هذا التشبيه كيف مهد له التمهيد الصالح ، فجعل لهم قلوبا لا يفقهون بها ، وأعينا لا يبصرون بها ، وآذانا لا يسمعون بها ، ألا ترى نفسك بعدئذ مسوقا إلى إنزالهم منزلة البهائم ، فإذا ورد هذا التشبيه عليك ، وجد في قلبك مكانا ، ولم تجد فيه بعدا ولا غرابة ، بل ينزل بهم حينا عن درجة الأنعام ، فيراهم خشبا مسندة .
وحينا يريد أن يصورهم ، وقد جدوا في الهرب والنفرة من تلك الدعوة الجديدة ، فيقول :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
( 51 ) ( المدثر 49 - 51 ) . وقد تحدثنا عن هذا التشبيه فيما مضى .
أما هذا الذي آمن ثمّ كفر ، وانسلخ عن الإيمان واتبع هواه ، فقد عاش مثال الذلة والهوان ، وقد وجد القرآن في الكلب شبها يبين عن خسته وحقارته ، ومما يزيد في الصلة بين الاثنين أن هذا المنسلخ يظل غير مطمئن القلب ، مزعزع العقيدة ، مضطرب الفؤاد ، سواء أدعوته إلى الإيمان ، أم أهملت أمره ، كالكلب يظل لاهثا ، طردته وزجرته ، أم تركته وأهملته ، قال :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
( 176 ) ( الأعراف 175 ، 176 ) .
ولم ينس القرآن تصوير حيرتهم ، واضطراب نفسيتهم ، ولمح في اضطرابهم صلة بينهم وبين من استوقد نارا ، ثم ذهب اللّه بنوره وبين السائر تحت صيّب منهمر ، فيه ظلمات ورعد وبرق .
وصوّر وهن ما يعتمد عليه من يتخذ من دون اللّه أولياء بوهن بيت العنكبوت ، وحين أراد أن يتحدث عن أن هؤلاء الأولياء لن يستفيد منهم عابدوهم بشيء ، رأى في هذا الذي يبسط كفه إلى الماء ، يريد وهو على تلك الحال أن ينقل الماء إلى فيه ، وما هو ببالغه ، شبيها لهم فقال :
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ
( الرعد 14 ) .
وتعرض لأعمال الكفرة كما سبق أن ذكرنا ، ولصدقاتهم التي كان جديرا بها