تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
وكثر في القرآن إيضاح الأمور المعنوية بالصور المرئية المحسوسة ، تلقى عليها أشعة الضوء تغمرها فتصبح شديدة الأثر ، وها هو ذا يمثل وهن ما اعتمد عليه المشركون من عبادتهم غير اللّه وهنا لن يفيدهم فائدة ما ، فهم يعبدون ويبذلون جهدا يظنونه مثمرا وهو لا يجدى ، فوجد في العنكبوت ذلك الحيوان الذي يتعب نفسه في البناء ، ويبذل جهده في التنظيم ، وهو لا يبنى سوى أوهن البيوت وأضعفها ، فقرن تلك الصورة المحسوسة إلى الأمر المعنوي ، فزادته وضوحا وتأثيرا قال تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
( العنكبوت 41 ) . وها هو ذا يريد أن يحدثنا عن أعمال الكفرة ، وأنها لا غناء فيها ، ولا ثمرة ترجى منها ، فهي كعدمها فوجد في الرماد الدقيق ، لا تبقى عليه الريح العاصفة ، صورة تبين ذلك المعنى أتم بيان وأوفاه ، فقال سبحانه :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
( إبراهيم 18 ) . وليس في القرآن سوى هذين اللونين من التشبيه : تشبيه المحسوس بالمحسوس ، وتشبيه المعقول بالمحسوس ، أما قوله سبحانه :
إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
( 65 ) ( الصافات 64 ، 65 ) . فالذي سمح بأن يكون المشبه به خياليّا ، هو ما تراكم على الخيال بمرور الزمن من أوهام رسمت في النفس صورة رؤوس الشياطين في هيئة بشعة مرعبة ، وأخذت هذه الصورة يشتد رسوخها بمرور الزمن ، ويقوى فعلها في النفس ، حتى كأنها محسوسة ترى بالعين وتلمس باليد ، فلما كانت هذه الصورة من القوة إلى هذا الحد ساغ وضعها في موضع التصوير والإيضاح ، ولا نستطيع أن ننكر ما لهذه الصورة من تأثير بالغ في النفس ، ومما جرى على نسق هذه الآية قوله تعالى :
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ
( النمل 10 ) . ففي الخيال صورة قوية للجان ، تمثله شديد الحركة لا يكاد يهدأ ولا يستقر . والتشبيه في القرآن تعود فائدته إلى المشبه تصويرا له وتوضيحا ، ولهذا كان المشبه به دائما أقوى من المشبه وأشد وضوحا ، وهنا نقف عند قوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( النور 35 ) . فقد يبدو للنظرة العجلي أن المشبه وهو نور اللّه أقوى من مصباح هذه المشكاة ، ولكن نظرة