إلى الآية الكريمة ترى أن النور المراد هنا هو النور الذي يغمر القلب ، ويشرق على الضمير ، فيهدى إلى سواء السبيل ، أو لا ترى أن القلب ليس في حاجة إلى أكثر من هذا المصباح ، يلقى عليه ضوءه ، فيهتدى إلى الحق ، وأقوم السبل ، ثم ألا ترى في اختيار هذا التشبيه إيحاء بحالة القلب وقد لفه ظلام الشك ، فهو متردد قلق خائف ، ثم لا يلبث نور اليقين أن يشرق عليه ، فيجد الراحة والأمن والاستقرار ، فهو كسارى الليل يخبط في الظلام على غير هدى ، حتى إذا أوى إلى بيته فوجد هذا المصباح في المشكاة ، وجد الأمن سبيله إلى قلبه ، واستقرت الطمأنينة في نفسه ، وشعر بالسرور يغمر فؤاده .
وإذا تأملت الآية الكريمة رأيتها قد مضت تصف ضوء هذا المصباح وتتأنق في وصفه ، بما يصور لك قوته وصفاءه ، فهذا المصباح له زجاجة تكسب ضوءه قوة ، تجعله يتلألأ كأنه كوكب له بريق الدر ولمعانه ، أما زيت هذا المصباح فمن شجرة مباركة قد أخذت من الشمس بأوفى نصيب ، فصفا لذلك زيتها حتى ليكاد يضيء ولو لم تمسسه نار . ألا ترى أن هذا المصباح جدير أن يبدد ظلمة الليل ، ومثله جدير أن يبدد ظلام الشك ، ويمزق دجى الكفر والنفاق . وقد ظهر بما ذكرناه جمال هذا التشبيه ودقته وبراعته .
- 4 - أول ما يسترعى النظر من خصائص التشبيه في القرآن أنه يستمد عناصره من الطبيعة ، وذلك هو سر خلوده ، فهو باق ما بقيت هذه الطبيعة ، وسر عمومه للناس جميعا ، يؤثر فيهم لأنهم يدركون عناصره ، ويرونها قريبة منهم ، وبين أيديهم ، فلا تجد في القرآن تشبيها مصنوعا يدرك جماله فرد دون آخر ، ويتأثر به إنسان دون إنسان ، فليس فيه هذه التشبيهات المحلية الضيقة مثل تشبيه ابن المعتز :
كأن آذريونها * والشمس فيه كالية
مداهن من ذهب * فيها بقايا غالية
مما لا يستطيع أن يفهمه على وجهه ، ويعرف سر حسنه ، إلا من كان يعيش في مثل حياة ابن المعتز ، وله من أدوات الترف مثل أدواته .
تشبيهات القرآن تستمد عناصرها من الطبيعة ، انظر إليه يجد في السراب وهو ظاهرة طبيعية يراها الناس جميعا ، فيغرهم مرآها ، ويمضون إلى السراب يظنونه ماء ، فيسعون إليه ، يريدون أن يطفئوا حرارة ظمئهم ، ولكنهم لا يلبثون أن تملأ الخيبة قلوبهم ، حينما يصلون إليه بعد جهد جهيد ، فلا يجدون شيئا مما كانوا يؤمّلون ، إنه يجد في هذا السراب صورة قوية توضح أعمال الكفرة ، تظن مجدية