تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
رهبة وجلال معا ، كما يحس بهما من يقف أمام شامخ الجبال . وقوله تعالى يصف الجبال يوم القيامة :
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ
« 1 »
الْمَنْفُوشِ
( القارعة 5 ) . فالعهن المنفوش يصور أمامك منظر هذه الجبال ، وقد صارت هشة لا تتماسك أجزاؤها ، ويحمل إلى نفسك معنى خفتها ولينها . وقوله تعالى :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
( يس 39 ) . فهذا القمر بهجة السماء وملك الليل ، لا يزال يتنقل في منازله حتى يصبح بعد هذه الاستدارة المبهجة ، وهذا الضوء الساطع الغامر ، يبدد ظلمة الليل ، ويحيل وحشته أنسا - يصبح بعد هذا كله دقيقا نحيلا محدودبا لا تكاد العين تنتبه إليه ، وكأنما هو في السماء كوكب تائه ، لا أهمية له ، ولا عناية بأمره ، أو لا ترى في كلمة العرجون ووصفهما بالقديم ما يصور لك هيئة الهلال في آخر الشهر ، ويحمل إلى نفسك ضآلة أمره معا . وقوله تعالى يصف نيران يوم القيامة :
إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ
( 33 ) ( المرسلات 32 ، 33 ) ، فالقصر وهو الشجر الضخم ، والجمال الصفر توحى إلى النفس بالضخامة والرهبة معا ، وصور لنفسك شررا في مثل هذا الحجم من الضخامة يطير . ويرمى أحيانا إلى اشتراك الطرفين في صفة محسوسة ، ولكن للنفس كذلك نصيبها في اختيار المشبه به الذي له تلك الصفة ، وحسبي أن أورد هنا آيات ثلاث تتبين فيها هذا الذي أشرنا إليه . فالقرآن قد شبه نساء الجنة ، فقال :
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 56 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 57 ) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ
( 58 ) ( الرحمن 56 - 58 ) . وقال :
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ( 48 ) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
( الصافات 48 ) . وقال :
وَحُورٌ عِينٌ ( 22 ) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ( 23 )
( الواقعة 22 ، 23 ) . فليس في الياقوت والمرجان واللؤلؤ المكنون لون فحسب ، وإنما هو لون صاف حىّ فيه نقاء وهدوء ، وهي أحجار كريمة تصان ويحرص عليها ، وللنساء نصيبهن من الصيانة والحرص ، وهن يتخذن من تلك الحجارة زينتهن ، فقربت بذلك الصلة واشتد الارتباط ، أما الصلة التي تربطهن بالبيض المكنون ، فضلا عن نقاء اللون ، فهي هذا الرفق والحذر الذي يجب أن يعامل به كلاهما ، أو لا ترى في هذا الكون أيضا صلة تجمع بينهما ، وهكذا لا تجد الحس وحده هو الرابط والجامع ، ولكن للنفس نصيب أي نصيب . وحينا يجمع بين الطرفين المحسوسين معنى من المعاني لا يدرك بإحدى الحواس ، وقلّ ذلك في القرآن الكريم الذي يعتمد في التأثير أكثر اعتماد على حاسة البصر ، ومن القليل قوله سبحانه :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
( الأعراف 179 ) . وصفة ضلال الأنعام من أبرز الصفات وأوضحها لدى النفس .
هامش
( 1 ) الصوف .