تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
الصلة التي تسمح بمجيء الواو بينهما ، كما في قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها
( الحج 189 ) . ففي النظرة العاجلة يبدو كأنه لا ارتباط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها ، ولكن الربط نشأ من أن ناسا من العرب كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحدهم بيتا ولا خيمة ولا خباء من باب ، بل إن كان من أهل المدر نقب نقبا من ظاهر البيت ليدخل منه ، وخرج من خلف الخيمة أو الخباء إن كان من أهل الوبر « 1 » . فلما تحدث القرآن عن الأهلة وأنها مواقيت للحج ، ناسب ذلك أن يتحدث عن عادتهم هذه في الحج ، ذاكرا أنها ليس من البر في شئ . وتفصل الجملتان إذا كان بينهما امتزاج معنوي ، كأن ترفع الجملة الثانية ما قد يتوهم في الجملة الأولى من تجاوز أو سهو ونسيان ، كما تجد ذلك في قوله تعالى :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
( البقرة 2 ) . فتعريف جزءي الجملة الأولى ، والمجيء باسم الإشارة للبعيد ، مؤذن بوصف هذا الكتاب بأنه قد بلغ أسمى درجات الكمال ، ولما كان ذلك قد يوهم أن ثمة مبالغة في هذا الوصف ، نفى هذا الوهم ، وأتبع ذلك بقوله :
لا رَيْبَ فِيهِ
أي في بلوغه تلك الغاية من الكمال ، تأكيدا لما فهم من الجملة الأولى ، وأتبعه كذلك بقوله :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
تأكيدا ثانيا ؛ لأن معنى بلوغ القرآن للكمال إنما هو كماله في الهداية والإرشاد . ومن هذا الباب قوله تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
( لقمان 7 ) . لم يقل : ( وكأن لم يسمعها كأنّ في أذنيه وقرا ) ؛ لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر ، هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع ، ولكن الثاني أبلغ وآكد فيما سيق له ، فالمراد من التشبيهين جميعا بيان أنه ليس لتلاوة الآيات عليه من فائدة ، وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتل ، ولا ريب في أن تشبيهه بمن في أذنيه وقر ، أبلغ في دلالته على هذا المعنى . وعلى هذا النسق مما كانت الجملة الثانية فيه مؤكدة للجملة الأولى قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
( 7 ) ( البقرة 6 ، 7 ) . فقوله :
لا يُؤْمِنُونَ
تأكيد لقوله :
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ
وقوله :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ . . .
تأكيد ثان أبلغ من الأول . وقوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخادِعُونَ اللَّهَ
( البقرة 8 ، 9 ) . فليست المخادعة شيئا
هامش
( 1 ) الطراز ج 2 ص 49 .