فتطغى مياهها ، وبعثرة القبور تخرج ما دفن فيها من الموتى ، فكأنها تتفجر كذلك . ومثل هذا قوله تعالى :
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ( 1 ) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ ( 2 ) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ( 3 ) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ ( 4 ) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ
( 5 ) ( الانشقاق 1 - 5 ) .
واقرأ قوله تعالى :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( الأنفال 26 ) . إن في هذه النعم لرابطا يصل بعضها ببعض ، ويسمح للواو أن تجمع بينها ، فهؤلاء قوم كانوا قليلين مستضعفين ، يخشون أن يغير عليهم مغير ، يسلبهم الحريّة ، فلا جرم كانت نعمة الأمن ، لها المكان الأول بين نعم اللّه عليهم ، ولم يقف الأمر عند حدّ الأمن ، بل زاد عليه أن أيدهم بنصره ، ولم تنته نعمه عند حد الطمأنينة والغلب ، بل رزقهم خفض العيش ، وطيبات الحياة .
وتأمّل الواو الواصلة في قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ
( الحج 3 ) . فالمجادلة في اللّه واتباع الشيطان ينشئان من عدم الاحتكام إلى العقل . وقوله سبحانه :
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 17 ) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 18 ) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
( لقمان 17 - 19 ) . فإنه إذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فالمقيم لها جدير أن يأخذ على عاتقه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وإن من يعرّض نفسه لذلك ، جدير أن يلم به بعض الأذى ، فوصى من ينهض بهذا العبء أن يحتمل ويصبر ، وإذا كان قد أمره بالصلاة ، وهي خضوع للرّب ، فجدير به ألا يمتلئ بالتيه ولا الخيلاء ، وأن يسير على الأرض في تؤدة ، ويتحدّث إن تحدث في وداعة وهدوء ، ومن ذلك ترى هذه الصلات القوية التي تربط بين هذه الجمل ربطا محكما . وخذ قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
( فاطر 15 ) . لترى الرباط القوى بين فقر الناس وغنى اللّه .
وتأمل جمال الوصل في قوله تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
( 14 ) ( الانفطار 13 ، 14 ) . وقوله تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
( آل عمران 54 ) . وقوله :
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
( النساء 142 ) . وقوله :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
( يونس 31 ) ، وقوله :
يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
( النساء 142 ) . وقوله :
كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا
( الأعراف 31 ) .
وقد يحتاج الأمر إلى فضل تدبر لمعرفة الصلة التي تربط بين جملتين ، تلك