وقد تحدثنا فيما مضى عن حذف جواب القسم ، وسر هذا الحذف ، ونضيف إلى ما أسلفناه أن « أكثر ما يحذف الجواب إذا كان في نفس القسم به دلالة على المقسم عليه ، فإن المقصود يحصل بذكره ، فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز ، كقوله :
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ
( ص 1 ) . فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذو الذكر . . ما يدل على المقسم ، وهو كونه حقا من عند اللّه غير مفترى . .
ولهذا قال كثيرون : إن تقدير الجواب ، إن القرآن لحق . وهذا يطرد في كل ما شابه ذلك ، كقوله :
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
( ق 1 ) . وقوله :
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ
( القيامة 1 ) .
فإنه يتضمن إثبات المعاد » « 1 » ، وقد تحدثنا كذلك عن لا وموقعها في القسم .
« ومن لطائف القسم في القرآن قوله تعالى :
وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى
( 3 ) ( الضحى 1 - 3 ) . وتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل - المقسم عليه ، وهو نوره الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه ، حتى قال أعداؤه : ودع محمدا ربه ، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل ، على ضوء الوحي ونوره ، بعد ظلمة احتباسه واحتجابه » « 2 » .
الفصل والوصل
عنى البلاغيون بالحديث عن الواو ، التي تذكر فتصل الجملة بأختها ، أو تترك فتدع الجملتين منفصلتين ، وغالوا في تقدير معرفة الموضع الذي تصلح فيه الواو ، والموضع الذي لا تصلح فيه ، حتى قصر بعض العلماء البلاغة على معرفة الفصل والوصل ، وقد قصروا حديثهم في ذلك الموضع على الجمل التي لا محل لها من الإعراب ، وهذا لأن الجمل التي لها موقع من الإعراب ، ويكون موضع الواو فيها من الوضوح بمكان ؛ لأنها تشرك الجملة الثانية في حكم الأولى ، فتكون مثلها خبرا ، أو صفة ، أو حالا ، أو مفعولا ، أو غير ذلك ، والأمر فيه سهل بيّن . أما الذي يشكل ، فأن تعطف على الجملة التي لا موضع لها من الإعراب جملة أخرى ، فهنا نقف لنرى لم لم يستو الحال بين أن تعطف ، وبين أن تدع العطف ، وخصت الواو بالحديث ؛ لأن غيرها من حروف العطف تفيد مع الإشراك معاني ، كأن تدل الفاء على الترتيب من غير تراخ ، وثمّ على الترتيب مع التراخي ، وأو للتردد بين شيئين ، فإذا عطفت جملة على جملة بواحد منها ، ظهرت فائدة هذا الحرف واضحة جلية . أما الواو فإنها لما كانت لمطلق الجمع ، لا تصل جملة
هامش
( 1 ) الإتقان ج 2 ص 135 .
( 2 ) المرجع السابق نفسه .