تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
بأخرى ، إلا إذا كان المعنى في إحدى الجملتين متصلا بمعنى الجملة الأخرى ، ومرتبطا به ، كما ترى ذلك في قوله سبحانه :
إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 ) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 ) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ ( 48 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 49 ) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ
( 50 ) ( التوبة 45 - 50 ) . فالواو في هذه الآيات قد وصلت الجمل بعضها ببعض لمكان الصلة بينها والتناسب ، فعدم إيمانهم باللّه واليوم الآخر يناسبه ارتياب قلوبهم ارتيابا ينغمسون فيه ، وخذ الآية الثانية تر التناسب واضحا بين تقاعسهم عن الخروج ، وعدم الإعداد له ، وبين كره اللّه لانبعاثهم ، وهكذا تجد الصلة جامعة بين الجملة وأختها جمعا يهيئ للواو مكانها بينهما . وتأمّل جمال الوصل في قوله تعالى :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
( 20 ) ( الغاشية 17 - 20 ) . فالمطلوب في الآية التأمل فيما خلق اللّه ، ليصلوا بهذا التأمل إلى الإيمان بالبعث الذي ينبنى عليه أساس الدين ، والتناسب هنا بين الجمل واضح ، فقد بدأ حديثه بالإبل التي هي عنصر أساسي في حياة البدوي في صحرائه ، وانتقل من الإبل إلى ما يرونه أمامهم في كل حين من سماء رفعت بلا عمد ، وللسماء عند البدوي مكانة خاصة ، يتجه إليها ببصره ، يستنزل منها الغيث ويهتدى بنجومها في سراه بالليل ، فإذا هبط ببصره قليلا رأى هذه الجبال الشامخة ، منصوبة تناطح السماء بقممها ، وترسو في ثبات واطمئنان على أرض مهدت له ، وسطحت أمامه ، أو لا ترى أن تنقل البصر بين هذه المخلوقات تنقّل هادئ طبيعي لا قفز فيه ، وأن ارتباط بعضها ببعض في طبيعة البدوي مهد للربط بينها ، وعطف بعضها على بعض . واتصلت الجمل في قوله سبحانه :
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ( 1 ) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ( 2 ) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
( 4 ) ( الانفطار 1 - 4 ) . لما كانت تلك المظاهر من أمارات القيامة ، وما أقوى الصلة بين السماء تنشق ، والكواكب تنتثر ، لا نظام يجمعها ، ولا جاذبية تحفظها في مكانها ، وما أقوى الصلة أيضا بين تفجر البحار
من بلاغة القرآن — صفحة 135 | احمد احمد بدوي