تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
النهار يبرز هذا الكوكب الوهاج ، ثم لا يلبث الليل أن يمحو سناه ، وهذه السماء وقد أحكم خلقها ، واتسقت في عين رائيها كالبناء المحكم الدقيق ، وهذه الأرض وقد انبسطت في سعة ، وهذه النفس الإنسانية العجيبة الخلقة التي يتسرب إليها الهدى والضلال في دقة وخفاء ، أليس في ذلك كله ما يبعث النفس إلى التفكير العميق في خالقها ، وأن هذا الخالق لا يذكر هو وما خلق محاطا بهذا الإجلال ، إلا في مقام الحق والصدق . وتأمل جلال القسم في قوله تعالى :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
( 76 ) ( الواقعة 75 ، 76 ) ، وقوله سبحانه :
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى
( 2 ) ( النجم 1 ، 2 ) ، وانظر كيف وجه النظر إلى ما في حفظ النجوم في مواقعها فلا تسقط ولا تضطرب ، من قدرة قديرة على هذه الصيانة والضبط ، وما يبعثه هوىّ النجوم من رهبة في النفس ، وكلا الأمرين مثار إعجاب بخالقه ، يبعث في النفس الاطمئنان إلى خبر يكون هو موضع القسم فيه . وأقسم القرآن في مواضع أخرى بالليل والنهار والنجوم ، لما أنها مظاهر للقدرة الباهرة . كما أقسم بالرياح تحمل السحب مليئة بالمياه ، فتجرى بها في رفق ويسر ، ثم تدعها توزع مياهها هنا وهناك ، إذ قال :
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ( 1 ) فَالْحامِلاتِ وِقْراً ( 2 ) فَالْجارِياتِ يُسْراً ( 3 ) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً ( 4 ) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ
( 5 ) ( الذاريات 1 - 5 ) . وفي قدرة الريح على حمل السحب الموقرة بالماء ، وجريها بها في الفضاء ، ثم في نزول المطر ما يدل على قدرة الخالق الباهرة . وهكذا في كل ما أقسم به اللّه مظهر من مظاهر قدرته وعظمته . وحينا يثير العاطفة الوطنية ، التي تدفع إلى تقديس الوطن وإعزازه ، وتحمل النفس على قبول ما يقسم عليه به ، تجد ذلك في قوله تعالى :
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ( 1 ) وَطُورِ سِينِينَ ( 2 ) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ( 3 ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
( 4 ) ( التين 1 - 4 ) . وفي قوله سبحانه :
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ( 1 ) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ( 2 ) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ ( 3 ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
( 4 ) ( البلد 1 - 4 ) . ويقسم القرآن غالبا على صدق ما جاء به هذا الدين ، الذي نزل القرآن لتثبيت أسسه وقواعده ، فيقول :
إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ
( الصافات 4 ) . و
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ
( الذاريات 5 ) . و
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
( الواقعة 77 ) . و
ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى
( النجم 2 ) . وأحيانا يؤكد أحوال الإنسان فيقول :
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ( 7 ) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
( 8 ) ( العاديات 6 - 8 ) . إلى غير ذلك من آيات تتحدث عن طبائع الإنسان ، وأخلاقه ، وصلته بهذا الدين .