تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢

القسم

لجأ القرآن إلى القسم متبعا النهج العربي في توكيد الأخبار به ، لتستقر في النّفس ، ويتزعزع فيها ما يخالفها ، وإذا كان القسم لا ينجح أحيانا في حمل المخاطب على التصديق ، فإنه كثيرا ما يوهن في النفس الفكرة المخالفة ، ويدفع إلى الشك فيها ، ويبعث المرء على التفكير القوى فيما ورد القسم من أجله . أقسم القرآن برب ، ولكنه ذكره حينا مضافا إلى السماء والأرض ، فقال :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ
( الذاريات 23 ) . لما في هذه الإضافة من الإشارة إلى خضوع السماء والأرض لأمره ، وفي ذلك تعظيم لشأنه ، وإيحاء بأن من كان هذا أمره لا يزج باسمه إلا فيما هو حق لا مرية فيه . وحينا مضافا إلى المشارق والمغارب ، فقال :
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ
( المعارج 40 ) . لما توحى به هذه الإضافة من القدرة البالغة التي تسخر هذا الجرم الهائل وهو الشمس ، فيشرق ويغرب في دقة وإحكام . وحينا مضافا إلى الرسول ، فقال :
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ
( مريم 68 ) . وكأنه بذلك يوحى بأن أرباب المشركين ليست جديرة بأن يقسم بها ، أو تكون محل الإجلال والتقدير . واستخدم ما كان العرب يستخدمونه من الحلف بحياة المخاطب ، فأقسم بحياة رسوله عندما قال :
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
( الحجر 72 ) . وفي ذلك تشريف لحياة الرسول ، وتعظيم لأمره في أعين السامعين . فإذا أقسم القرآن بمصنوعات اللّه كان في ذلك تنبيه إلى ما فيها من روعة ، تدفع إلى التفكير في خالقها ، وتأمل جمال القسم في قوله تعالى :
وَالشَّمْسِ وَضُحاها ( 1 ) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها ( 2 ) وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها ( 3 ) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها ( 4 ) وَالسَّماءِ وَما بَناها ( 5 ) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها ( 6 ) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
( 10 ) ( الشمس 1 - 10 ) . أو لا ترى هذا القسم مثيرا في النفس أقوى إحساسات الإعجاب بمدبر هذا الكون ، ومنظم شؤونه هذا التنظيم المحكم الدقيق ، أو ليست هذه الشمس التي تبلغ أوج مجدها وجمالها عند الضحى ، وهذا القمر يتلوها إذا غابت ، وكأنه يقوم مقامها في حراسة الكون وإبهاجه ، وهذا