وقوله سبحانه :
يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
( القصص 79 ) ، والمتمنى في الآية الأولى مستحيل الوقوع ، والثاني بعيده .
وقد يتمنى بهل كما أشرنا إلى سر ذلك في فصل الاستفهام ، وبلو : كما في قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا
( البقرة 167 ) ، وسر المجيء بلو للتمنى ، وهي تدل على الامتناع ، إشعار السامع من أول الأمر بامتناع هذا المتمنى واستحالة وقوعه .
أما الترجى ففي أمر محبوب قريب الوقوع ، والحرف الموضوع له لعل ، كقوله تعالى :
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ
( القصص 22 ) . وقد ترد لعل دالة على توقع أمر محذور ، كما في قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
( الشورى 17 ) .
النداء
لم يستخدم القرآن من أدوات النداء سوى يا ، ويكون النداء لطلب إقبال المدعو ليصغى إلى أمر ذي بال ، ولذا غلب أن يلي النداء أمر أو نهى ، كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ
( 2 ) ( المدثر 1 ، 2 ) ، وقوله سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
( المائدة 87 ) . وقد يتقدم عليه الأمر ، كما في قوله سبحانه :
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
( يس 59 ) ، وقد يعقب النداء جملة خبرية تليها جملة الأمر ، كقوله تعالى :
قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ
( يوسف 78 ) ، وقد لا تأتى جملة الأمر كما في قوله :
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
( النمل 29 ) .
وحينا يأتي الاستفهام بعد النداء ، كقوله سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
( التوبة 38 ) . أو قبله كقوله :
قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ
( الزمر 64 ) .
وكثيرا ما يحذف لفظ النداء في القرآن كما في قوله سبحانه :
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
( الحجر 57 ) ، وقوله :
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ( 51 ) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ
( 52 ) ( الواقعة 51 ، 52 ) .
ولا يكاد يستخدم حرف النداء مع الرب ، بل ينادى مجردا من حرف النداء ، ولعل في ذلك تعبيرا عن شعور الداعي بقربه من ربه ، كقوله تعالى :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 ) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ